ومن لطائف ونكات تفسير ابن عجيبة:
(يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها ...(2)
المرضعة، بالتاء، هي المباشرة الإرضاع بالفعل، والمرضع - بلا تاء - لمن شأنها ترضع، ولو لم تباشر الإرضاع.
والتعبير عنه «بما» ، دون «مَن» لتأكيد الذهول، كأنها من شدة الهول لا تدري من هو بخصوصه، وقيل: «ما» مصدرية، أي: تذهل عن إرضاعها.
والأول أدل على شدة الهول وكمال الانزعاج.
(وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها) أي: تلقى جنينها من غير تمام، كما أن المرضعة تذهل عن ولدها قبل الفطام.
وهذا على قول من يقول: إنها قبل نفخة الصعق ظاهر، وأما على من يقول، إنها بعد قيام الساعة، فقد قيل: إنه تمثيل لتهويل الأمر وشدته.
(وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ(7)
وإيثار اسم الفاعل على الفعل للدلالة على تحقق إتيانها وتقريره ألْبَتَّةَ.
ومعنى نفي الريب عنها: أنها، في ظهور أمرها ووضوح دلائلها، بحيث ليس فيها مظنة الريب
(وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) لأنه تعالى حكم بذلك ووعد به، وهو لا يخلف الميعاد.
والتعبير بـ «من في القبور» : خرج مخرج الغالب، وإلاَّ فهو يبعث كل من يموت. والله تعالى أعلم وأحكم.
(ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ(10)
(ذلِكَ) أي: ما ذكر من العذاب الدنيوي والأخروي. وما في الإشارة من البُعد للإيذان بكونه في الغاية القاصية من الهول والفظاعة، أي: ذلك العذاب الهائل (بِما قَدَّمَتْ يَداكَ) أي: بسبب ما اقترفْتَهُ من الكفر والمعاصي.
وإسناده إلى يديه لأن الاكتساب في الغالب بهما.
والالتفات لتأكيد الوعيد وتشديد التهديد.