وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى) .
قال عامة أهل التأويل: إنه لما نزل قوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) قالت الكفرة: إن عيسى وعزيرًا والملائكة قد عبدوا من دون اللَّه فهم حصب جهنم، فنزل قوله: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى) استثنى من سبق له الحسنى منه، وهو عيسى وهَؤُلَاءِ، وكذلك في حرف ابن مسعود: (إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى) على الاستثناء.
عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى ...) الآية: ذاك عثمان وطلحة والزبير، وأنا من شيعة عثمان وطلحة والزبير، ثم قال: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ...) الآية.
ولكن قد ذكرنا الوجه فيه، فإن ثبت أنه نزل بشأن هَؤُلَاءِ وإلا فهو لكل من سبق له من اللَّه الحسنى.
ثم (الْحُسْنَى) يحتمل الجنة، كقوله: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى). أي: بالجنة، فعلى ذلك قوله: (سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى) ، ويحتمل (الْحُسْنَى) : السعادة والبشارة بالجنة وثوابها.
وقوله: (أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) أي: لا يعودون إليها أبدًا، ليس على بعد المكان كقوله: (أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) أي: لا يعودون إلى الهدى أبدًا.