ومن لطائف ونكات تفسير الطوفي:
{يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف}
أي انحراف عن الحق، وقيل الحرف هنا: الشك، والمعنى واحد؛ إذ الشك انحراف عن الاعتقاد.
{ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}
تحقيقًا لإضافة العمى إلى القلب بطريق المجاز، لئلا يسبق الوهم إلى حقيقة المعنى الذي محله البصر.
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً}
فعدل عن لفظ"فأصبحت"إلى لفظ"فتصبح". لما ذكرنا من قصد المبالغة في تحقيق اخضرار الأرض لأهميته؛ إذ هو المقصود بالإنزال، وهو سبب، فوزانه من الكلام"أنعم عليّ فلان عام كذا، فأروح وأغدو شاكرا له"ورفع"فتصبح". وإن وقع في جواب الاستفهام لآن ما في خبره وهو الري ليس سببًا للإصباح وإنما ينصب ما في جواب الاستفهام، إذا كان ما في خبره سببا له.
وقوله تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة}
لما تضمن هذا الكلام لطف القدرة في إحياء الأرض بإنزال الماء، واستدعاء تلك الخضرة بأن فيها نفعًا للناس ولطفًا بهم، ختمها بما يناسب ما تضمنته، فقال: {إن الله لطيف خبير} ثم قال: {له ما في السماوات وما في الأرض} ، فتضمن هذا الكلام اختصاصه بذلك، ثم قال: {وإن الله لهو الغني} لمناسبته مضمون الكلام، ثم لما كان لا يلزم أن يكون كل غني حميدًا، لجواز بخله، بين تعالى أنه متصف بالجود الموجب للحمد، فقال: {الحميد} .
ثم قال: {ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} ، فتضمن ذلك رأفة للناس ورحمة؛ إما جلب نفع: كتسخير البحر في الفلك، أو دفع ضرر: كإمساك السماء أن تقع عليهم، فصلها بذلك فقال: {إن الله بالناس لرءوف رحيم} .
وجميع فواصل القرآن مناسبة لما وليته منه، وليقس على ما ذكرناه ما لم نذكره. انتهى انتهى {الإكسير في علم التفسير} ...