قوله تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(83)
إلى قوله: (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ(84) .
ذكر أن أيوب - عليه السَّلام - حال ما ابتلاه الله - جلَّ جلالُه - فَقد أهله فصبر
واحتسب إلى غير ذلك من أنواع ما أصيب به فقيل: إنهم ماتوا، وقيل: إنهم
غُيِّبُوا عنه، فلما كشف الله ضره عنه آتاه أهله ومثلهم معهم، كذلك قصَّ الله علينا
من فعله به في كتابه الحكيم، وإن كانوا غُيِّبُوا عنه فأحضروا له، فمعهود مثله
على ما فيه من عجب، وإن كان قد أماتهم فأحياهم الله وهو الأظهر، فممكن وجوده
في المقدور الغائب، وكل ذلك على الله يسير.
وتلك رحمة من الله للصابرين من عباده، وذكرًا للعابدين، وذكرًا لأولي
الألباب، وهم الذين يبصرون ببصائر قلوبهم مرائي العواقب وغيابات الكائنات،
والعابدون في هذا الموضع هم الغرباء الذين يكونون في آخر الزمان، فكان فعله
ذلك بأيوب رحمة وذكرى للعابدين، ينتظرون بذلك الفرج مما هم فيه جزاءً
لصبرهم، وليس إحياؤه إياهم له بأعجب من قوله: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ)
فانفجرت له عين، وقيل: عينان:
أحدهما: لاغتساله.
والأخرى: لشرابه.
فأذهب الله بذلك عنه داءه ظاهرًا وباطنًا، وهذا من جنس ما يفعله يوم القيامة
بأوليائه، يدخلهم الجنة فيغتسلون ويشربون فيذهب عنهم خلقتهم وخلقهم
الدنيوية، ويطهرهم بذلك تطهيرًا ظاهرًا وباطنًا، وعرفان ذلك اليوم إحياؤه الموتى
وبعثهم، قد أحيا الله نبيًّا من الأنبياء بعدما أماته مائة عام، وأحيا قتيل موسى - عليه السَّلام -
بعضو بقرة ضرب به وأخبر بمن قتله، وأمسك فتية الكهف ثلاثمائة سنينًا وتسعًا
رقودًا، ثم بعثهم من نومهم إلى غير ذلك من إحياء عِيسَى - عليه السَّلام - من شاء الله
إحياءه على يديه، وإحياء الله الرجل الصالح الذي يقتله الدجال - لعنه الله -
وخفف على المؤمنين وطأته، يحييه الله على يديه فتنة لمن شاء الله به الفتنة، وإحياء