(فصل)
قال شمس الدين أبو المظفر (سبط ابن الجوزي) :
فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا} [الأنبياء: 87] والمغاضبة إنما تكون بين اثنين، لأنها مفاعلة كالمناظرة والمجادلة والمقاتلة، والله تعالى لا مفاعلة بينه وبين عباده؟
والجواب من وجوه:
أحدها: ما قاله الضحاك: أنه ذهب مغاضبًا لقومه. وهي رواية العوفي عن إبن عباس. وهو ما ذكرنا أنَّ الله أمر شَعْيا أن يأمر حِزقيا أن يبعث نبيًا ليخلص بني إسرائيل، وأنَّ يونس خرج على كرهٍ منه، وأنه ألقى نفسه في بحر الروم.
والثاني: أنه إنما ذهب مغاضبًا لربِّه حين كُشِفَ عنهم العذاب بعدما أوعدهم به، لأنه كَرِه أن يكون بين قوم قد جرَّبوا عليه الخلف فيما وعدهم به، واستحيا منهم ولم يعلم السبب الذي رفع الله به عنهم العذاب والهلاك، فخرج مغاضبًا لربه وقال: والله لا أرجع إليهم كذَّابًا أَبدًا.
وفي بعض الأخبار: أنهما كانوا يقتلون من جرَّبوا عليه الكذب، فلما لم يأتهم العذاب في الموعد الذي وعدهم خشي أن يقتلوه، قاله وهب.
والثالث: ذكره الحسن وقال: إنما غاضب ربه من أجل أنه أمره بالمسير إلى قوم لينذرهم بأسه ويدعوهم إليه، فسأل الله أن ينظره ليتأهب للشخوص إليهم، فقيل له: الأمرُ أسرعُ من ذلك، فلم يُنظر، حتى سأل أن يُنظرَ حتى يأخذ نعليه فيلبسهما، فقيل له نحو القول الأول، وكان رجلًا في خلقه ضيق، فقال: أعجلني ربي أن آخذ نعليَّ فخرج مغاضبًا.
وأما قولهم: إن المفاعلة إنما تكون بين اثنين، فقد تكون من واحد، فإن العرب تقول: طارقت النعل، وعاقبت اللص، وشارفت الأمر.
ومعنى قوله: {مُغَاضِبًا} أي: غضبان.
وقال مقاتل: إنما غضب لأنه وعد قومه العذابَ في يوم بعينه، فلما فات الأجل ولم يعذبوا أَنف أن يعود إليهم، فمضى إلى السفينة كالعبد الآبق.
فإن قيل: فما معنى قوله: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87] ؟
فالجواب من وجوه:
أحدها: أنَّ معناه: فظن أن لن نقضيَ عليه العقوبة. قاله مجاهد في آخرين. وقد قرأ عمر بن عبد العزيز:"فظنَّ أن لن نُقَدِّر عليه"بتشديد الدال.
والثاني: أنَّ معناه: لن نضيِّقَ عليه الحبس من قوله: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق: 7] أي: ضُيِّقَ، رواه العوفي عن ابن عباس.