[من روائع الأبحاث]
(فصل)
قال السُّرَّمَرِّي:
فإن قيل: إبراهيم - عليه السلام - لمَّا أُلقي في نار نمرود خمدت وطفئت, قلنا: أبلغ من ذلك نار جهنم إذا مرَّ عليها المؤمن من أمَّة محمد - صلى الله عليه وسلم - قالت: جُزْ يامؤمن فقد أطفأ نورك لهبي.
وليلة مولد نبينا - صلى الله عليه وسلم - خمدت نيران فارس التي كانت تُعبَد ولم تخمد قبل ذلك بألف عام فإبراهيم - عليه السلام - طفئت عنه نار نمروذ بقول الله تعالى لها: { ... كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء 69] وقرب إبراهيم منها, ونيران فارس خمدت على مسافة أشهر من محمد - صلى الله عليه وسلم - حين ولد, وفي أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - مَن أُلقي في النَّار فلم توثِّر فيه ببركته: منهم أبو مسلم الخَولاني لمَّا دعاه الأسود العَنْسي المتنبِّئ إلى تصديقه فقال: ما أسمع - مراراً - , فأجَّج له ناراً وطرح فيها أبا مسلم, فلم تضرُّه, فلمَّا قدم المدينة رآه عمر - رضي الله عنه - فقبَّل بين عينيه, ثم جاء به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - , وقال: الحمد لله الذي لم يُمتني حتى أراني في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من فُعل به كما فُعل بإبراهيم خليل الرحمن - عليه السلام - .
وأما إلقاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام في المنجنيق ورميهم به فإن في أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ما هو شبيه بذلك, وهو أنَّ البراء بن مالك - رضي الله عنه - لمَّا كانت وقعة مسيلمة وتحصَّنوا وأغلقوا باب الحصن, قال البراء لأصحابه: ضعوني على تُرسٍ واحملوني على رؤوس الرِّماح ثم ألقوني من أعلاها إلى داخل الحصن ففعلوا فوقع وقام فقاتل المشركين وقتل عشرةً أو أكثر وفتح الباب للمسلمين وكان سبب الفتح وقَتْل عدوِّ الله مسيلمة؛ ونظير ذلك ما فعَل طُلَيحة بن خويلد لما خرج في أصحابه لغزو الروم في البحر فلقيهم العدو في سفينة فقال طُلَيحة لأصحابه: اقذفوني في سفينتهم, ففعلوا فغشيهم بسيفه حتى تطايروا فرقاً منه فغرق من غرق واستسلم من استسلم فبلغ ذلك عمر - رضي الله عنه - فأعجبه وإبراهيم عليه الصلاة والسلام أُلقي في المنجنيق مُكرهاً, وهذان بذلا أنفسهما وطلبا ذلك واختاراه ففعلاه وهي فضيلة لنبينا - صلى الله عليه وسلم - إذ كان في أمته مثل ذلك. انتهى انتهى {خصائص سيد العالمين، للسُّرَّمَرِّي} ...