{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ}
شروع في قصص الأنبياء، تسلية له صلوات الله عليه وعليهم، فيما يناله من أذى قومه، وتقوية لفؤاده على أداء الرسالة، والصبر على كل عارض دونها. قال أبو السعود: نوع تفصيل لما أجمل في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ} إلى قوله: {الْمُسْرِفِينَ} [7 - 9] ، وإشارة إلى كيفية إنجائهم وإهلاك أعدائهم. وتصديره بالتوكيد القسميّ لإظهار كمال الاعتناء بمضمونه. والمراد بالفرقان التوراة وكذا بالضياء والذكر. أي: وبالله لقد آتيناهما وحياً ساطعاً وكتاباً جامعاً بين كونه فارقاً بين الحق والباطل. وضياءً يستضاء به في ظلمات الجهل وذكراً يتعظ به الناس. وتخصيص المتقين بالذكر لأنهم المستضيئون بأنواره. انتهى {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} أي: يخافون عذابه وهو غير مشاهد لهم. وفيه تعريض بالكفرة حيث لا يتأثرون في الإنذار، ما لم يشاهدوا ما أنذروه: {وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} أي: وجلون أن تأتي الساعة التي تقوم فيها القيامة فيردوا على ربهم، قد فرّطوا في الواجب عليهم لله، فيعاقبهم بما لا قبل لهم به.
{وَهَذَا} أي: القرآن الكريم: {ذِكْرٌ} أي: يتذكر به من يتذكر: {مُبَارَكٌ} أي: كثير الخير والنفع: {أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} أي: مع ظهور كون إنزاله كإيتاء التوراة. وفي الاستفهام الإنكاريّ توبيخ لهم بأنه لا ينبغي لهم إنكاره وهم عارفون بمزايا إعجازه. وتقديم لَهُ للفاصلة أو للحصر. لأنهم معترفون بغيره مما في أيدي أهل الكتاب. انتهى انتهى. {محاسن التأويل حـ 11 صـ 208 - 209}