{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) }
يريد الحق - تبارك وتعالى - أن يُسلِّي رسوله صلى الله عليه وسلم ويُخفِّف عنه مَا لاقاه من قومه، فيذكر له نماذج من إخوانه أُولِي العزم من الرسل الذين اضطهدهم أقوامهم، وآذوهم ليُسهِّل على رسول الله مهمته، فلا يصده إيذاء قومه عن غايته نحو ربه.
فبدأ بموسى - عليه السلام - لأنه من أكثر الرسل الذين تعبوا في دعوتهم، فقد تعب موسى مع المؤمنين به فضلاً عن الكافرين به، فقال سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفرقان ... } [الأنبياء: 48] لأن رسالتهما واحدة، وهم فيها شركاء: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً ... } [القصص: 34] وقال: {اشدد بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ في أَمْرِي} [طه: 31 - 32] .
والفرقان: هو الفارق القوي بين شيئين؛ لأن الزيادة في المبنى تدل على زيادة في المعنى، كما تقول: غفر الله لفلان غفراناً، وتقول: قرأت قراءة، وقرأة قرآناً، فليست القراءة واحدة، ولا كل كتاب يُقرأ.
والفرقان من أسماء القرآن: {تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان: 1] .
فالفرقان - إذن - مصدر يدلُّ على المبالغة، تقول: فرَّق تفريقاً وفرقاناً، فزيادة الألف والنون تدل على زيادة في المعنى، وأن الفَرْق في هذه المسألة فَرْق جليل وفَرْق واضح؛ لأن كونك تُفرِّق بين شيئين يترتب على ذلك خطورة في تكوين المجتمع وخطورة في حركة الحياة، فهذا فرقان؛ لذلك سَمَّي القرآن فرقاناً؛ لأنه يُفرِّق بين الحق والباطل.