الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَمَا خُلِقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} إِلَّا حُجَّةً عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، وَلِتَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ كُلِّهِ، فَتَعْلَمُوا أَنَّ الَّذِيَ دَبَّرَهُ , وَخَلَقَهُ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ لَا تَكُونُ الْأُلُوهَةُ إِلَّا لَهُ، وَلَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ لِشَيْءٍ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَخْلُقْ ذَلِكَ عَبَثًا وَلَعِبًا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ زَوْجَةً وَوَلَدًا لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ مِنْ عِنْدَنَا، وَلَكِنَّا لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلَا يَصْلُحُ لَنَا فِعْلُهُ , وَلَا يَنْبَغِي , لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ وَلَدٌ , وَلَا صَاحِبَةٌ.
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالُوا مَرْيَمُ صَاحِبَتُهُ، وَعِيسَى وَلَدُهُ، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا} نِسَاءً وَوَلَدًا، {لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} قَالَ: مِنْ عِنْدِنَا، وَلَا خَلَقْنَا جَنَّةً , وَلَا نَارًا , وَلَا مَوْتًا , وَلَا بَعْثًا , وَلَا حِسَابًا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَكِنْ نُنَزِّلُ الْحَقَّ مِنْ عِنْدَنَا، وَهُوَ كِتَابُ اللَّهِ , وَتَنْزِيلُهُ عَلَى الْكُفْرِ بِهِ وَأَهْلِهِ، {فَيَدْمَغُهُ}
يَقُولُ: فَيُهْلِكُهُ , كَمَا يَدْمَغُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بِأَنْ يَشُجَّهُ عَلَى رَأْسِهِ شَجَّةً تَبْلُغُ الدِّمَاغَ، وَإِذَا بَلَغَتِ الشَّجَّةُ ذَلِكَ مِنَ الْمَشْجُوجِ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدَهَا حَيَاةٌ وَقَوْلُهُ {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}
يَقُولُ: فَإِذَا هُوَ هَالِكٌ مُضْمَحِلٌّ.
وَقَوْلُهُ: {وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}
يَقُولُ: وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِنْ وَصْفِكُمْ رَبَّكُمْ بِغَيْرِ صِفَتِهِ، وَقِيلِكُمْ إِنَّهُ اتَّخَذَ زَوْجَةً وَوَلَدًا، وَفِرْيَتِكُمْ عَلَيْهِ