وقال المؤيد بالله:
سورة الأنبياء
(حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ(15)
فأصل الخمود للنار، فالمستعار منه هو للنار، والمستعار له هو القوم المهلكون، والجامع بينهما هو الهلاك.
(بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ(18)
(استعارة المحسوس للمعقول)
وهذا كقوله تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ) فالقذف، والدمغ، أمران معقولان مستعاران من صفات الأجسام، والمستعار له الحق، والباطل، والجامع هو الإعدام والإذهاب.
والغرض من هذا إثبات الصفات المحسوسة للأمور المعقولة على جهة الاستعارة، وبيانه هو أن القذف والدمغ من صفات الأجسام، يقال دمغه إذا هاض قحف رأسه، وقذفه بالحجر، إذا رماه به، وقد استعير ههنا للحق والباطل.
(لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا(22)
وأما «لو» فهي للشرط في الماضي دالة على امتناع الشيء لامتناع غيره قال الله تعالى: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا)
أي امتنع الفساد لامتناع وجود الآلهة.
التأويل الثاني أن «لو» وضعها للتقدير، والتقدير هو أن يعطي الموجود معنى المعدوم أو المعدوم معنى الموجود كما في قوله تعالى: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) فإنه قدر وجود الآلهة ثم رتب على وجودهم الفساد، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أنه قد يؤتى بها لقصد الإثبات للحكم على تقدير لا يناسب الحكم ليفيد ثبوت الحكم على خلاف الذي فيه مناسبة ويكون ذلك من طريق الأولى، فيعلم ثبوت الحكم مطلقا، فيجب تنزيل مسألة «صهيب» على هذا [1] ، فإنه إذا لم يخف الله لم يصدر منه عصيان، لما أعطاه الله تعالى من تزكية النفس، وطهارة القلب، فكيف به وقد استمسك بالعروة الوثقى من الخوف، فعلى هذا يكون انتفاء العصيان أولى وأحق.
[1] يشير إلى قول [[عمر - رضي الله عنه -] ] نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه.