ثم قال - عز من قائل: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) منتظمًا بما في المعنى الذي هو أحد الوجهين، يقول - وهو أعلم: كما أنزلنا على موسى التوراة والهدى والنور والفرقان(وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ
يَتَّقُونَ)هي الدرجة الرفيعة من الإيمان والعمل بها أو يحدث لهم
ذكرًا للدرجة التي لعموم المؤمنين.
قوله تعالى: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) عما قاله فرعون وأتباعه
وما قاله السامري وأشياعه، وعز أن يبخس أَحدا من حقه أو يخلف من وعده، ثم
قال - عز من قائل: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ)
هذا متصل بما جاء من حرصه على تلقي القرآن واستعجاله ذلك وتحمله المشقة،
حتى قيل له: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ(16) . وقيل له: (طه(1) مَا
أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) .
(وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) أمر الله عباده أن يسألوه المزيد من نعمته،
ولا نعمة أفضل من العلم ولو بلغ منه ما عسى أن يبلغ، وأين يقع علم ذي علم
من العباد من علم سيد البشر، وقد أمره بذلك، ولقد جاء عن عيسى - عليه السَّلام - أن فيما
أوحى الله إليه به: يا عيسى إن بين يديك لمفاوز من معرفتي ما قطعتها بعد.
(فصل)
الذكر اللدني يعلم فيما هَاهُنَا بالإضافة إلى ما سواه، فما كان من وصف
الألوهية والوحدانية والربوبية، وذكر الأسماء الحسنى والصفات العلا وأوصاف
النبوة والرسالة، فهذا مع الإضافة إلى ذكر الأحكام والقصص هو الذكر اللدني، كما
أن علم الخضر - عليه السَّلام - هو العلم اللدني بالإضافة إلى علم الشرائع، وتمييز الحلال
من الحرام، يقول الله - جلَّ من قائل: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ)
فمواقع اختياره في المخلوقات وأثارات الخيرات في عواقب
تدبيره هو العلم اللدني، بالإضافة إلى ما دونه لذلك، وهو أعلم.