قال - عليه الرحمة:
{قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا}
قالوا لم نكن في ابتداءِ حالِنا قاصدين إلى ما حَصَلَ مِنَّا، ولا عالمين بما آلتْ إليه عاقبةُ حالِنَا، وإن الذي حملنا من حُلِيِّ القبط صاغَ السامريُّ منه العجلَ ... وكذلك الحرامُ من حطام الدنيا لا يخلو من شؤم أثره. فلقد كانت الغنيمة وأموال المشركين حراماً عليهم، فاستعاروا الحليَّ من القبط، وآل إليهم ما كان في أيديهم من الملْكِ، فكان سبب عبادتهم العِجْل ... كذلك مَنْ انهمك في طلب الدنيا من غير وجهِ حلالٍ يكون على خَطَرٍ من رِقَّةِ دينهِ، قال تعالى: {أفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23] .
{فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ}
يقال إنهم لمَّا مَرُّوا على قوم يعبدون أصناماً لهم قالوا لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، وكان ذلك الصنم على صورة العجل فكان مَيْلُهم إلى عبادته مُسْتَكِنَّاً في قلوبهم، فصاغ السامريُّ العجل على تلك الصورة. وفي هذه إشارة إلى أن خفايا الهوى إذا استكنَّت في القلب فَمَا لم يُنْقَش ذلك الشرك بمنقاش المنازلة يُخْشَى أن يَلْقَى صاحبه) ...).
ويقال إن موسى - عليه السلام - خرج من بين أمته أربعين يوماً برَضِيَ قومهُ بعبادة العجل، ونبيُّنا - عليه السلام - خرج من بين أمته وأتت سنون كثيرة ولو ذَكَرَ واحدٌ عند مَنْ أخلص مِنْ أمته في التوحيدِ حديثاً في التشبيه لعدوا ذلك منه كبيرةً ليس له منها مَخْلَصٌ.
كذلك فإنهم استحفظوا كتابهم فبدَّلوه تبديلاً، بينما ضَمَنَ الحقُّ - سبحانه - إعزازَ هذا الكتاب بقوله: {إِنًّا نَحْنُ نَزًّلْنَا الذِّكْرَ وأِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
وقال: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [الفتح: 28] .