وأن يكون الخبر في كتاب {وَعِندَ رَبّى} في موضع الحال من الضمير المستتر فيه والعامل والظرف وهو يعمل متأخراً على رأي الأخفش ، وقيل: يكون حالاً من المضاف إليه في {عِلْمُهَا} ، وقيل: يكون ظرفاً للظرف الثاني ، وقيل: هو ظرف للعلم ذكر جميع ذلك أبو البقاء ثم قال: ولا يجوز أن يكون {فِى كتاب} متعلقاً بعلمها و {عِندَ رَبّى} الخبر لأن المصدر لا يعمل فيما بعد خبره.
وأنت تعلم أن أول الأوجه هو الأوجه وكأنه عنى عليه السلام بالكتاب اللوح المحفوظ أي علمها مثبت في اللوح المحفوظ بتفاصيله وهذا من باب المجاز إذ المثبت حقيقة إنما هو النقوش الدالة على الألفاظ المتضمنة شرح أحوالهم المعلومة له تعالى ، وجوز أن يكون المراد بالكتاب الدفتر كما هو المعروف في اللغة ويكون ذلك تمثيلاً لتمكنه وتقرره في علمه عز وجل بما استحفظه العالم وقيده بكتبته في جريده ولعله أولى ، ويلوح إليه قوله تعالى: {لاَّ يَضِلُّ رَبّى وَلاَ يَنسَى} فإن عدم الضلال والنسيان أوفق باتقان العلم ، والظاهر أن فيه على الوجهين دفع توهم الاحتياج لأن الإثبات في الكتاب إنما يفعله من يفعله لخوف النسيان والله تعالى منزه عن ذلك ، والإثبات في اللوح المحفوظ لحكم ومصالح يعلم بعضها العالمون ، وقيل: إن هذه الجملة على الأول تكميل لدفع ما يتوهم من أن الإثبات في اللوح للاحتياج لاحتمال خطأ أو نسيان تعالى الله سبحانه عنه ، وعلى الثاني تذييل لتأكيد الجملة السابقة ، والمعنى لا يخطئ ربي ابتداء بأن لا يدخل شيء من الأشياء في واسع علمه فلا يكون علمه سبحانه محيطاً بالأشياء ولا يذهب عليه شيء بقاء أن يخرج عن دائرة علمه جل شأنه بعد أن دخل بل هو عز وجل محيط بكل شيء علماً أزلاً وأبداً وتفير الجملتين بما ذكر مما ذهب إليه القفال ووافقه بعض المحققين ولا يخفى حسنه.
وأخرج ابن المنذر.