وقال الإمام أبو البقاء العكبري:
(طه) : قَدْ ذُكِرَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي الْقَوْلِ الَّذِي جُعِلَتْ فِيهِ حُرُوفًا مُقَطَّعَةً. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَا رَجُلُ ; مُنَادًى. وَقِيلَ: «طَا» فِعْلُ أَمْرٍ، وَأَصْلُهُ بِالْهَمْزِ، وَلَكِنْ أَبْدَلَ مِنَ الْهَمْزَةِ أَلِفًا، وَ «هَا» ضَمِيرُ الْأَرْضِ.
وَيُقْرَأُ: طَهْ، وَفِي الْهَاءِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا بَدَلٌ مِنَ الْهَمْزَةِ، كَمَا أُبْدِلَتْ فِي أَرَقْتُ، فَقِيلَ: هَرَقْتُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَبْدَلَ مِنَ الْهَمْزَةِ أَلِفًا، ثُمَّ حَذَفَهَا لِلْبِنَاءِ، وَأَلْحَقَهَا هَاءَ السَّكْتِ.
قَالَ تَعَالَى: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى(2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3 ) ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا تَذْكِرَةً) : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ; أَيْ لَكِنْ أَنْزَلْنَاهُ تَذْكِرَةً ; أَيْ لِلتَّذْكِرَةِ.
وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ ; أَيْ لَكِنْ ذَكَّرْنَا بِهِ تَذْكِرَةً ; وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ لِأَنْزَلْنَا الْمَذْكُورَةِ ; لِأَنَّهَا قَدْ تَعَدَّتْ إِلَى مَفْعُولٍ لَهُ، وَهُوَ «لِتَشْقَى» فَلَا تَتَعَدَّى إِلَى آخَرَ مِنْ جِنْسِهِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا «لِتَشْقَى» لِفَسَادِ الْمَعْنَى. وَقِيلَ: «تَذْكِرَةً» مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.
قَالَ تَعَالَى: (تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا(4 ) ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَنْزِيلًا) : هُوَ مَصْدَرٌ ; أَيْ أَنْزَلْنَاهُ تَنْزِيلًا. وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولُ يَخْشَى، وَ «مِنْ» مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ.
وَ (الْعُلَا) : جَمْعُ الْعُلْيَا.
قَالَ تَعَالَى: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى(6 ) ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ ; أَوْ تَكُونُ «مَا» مَرْفُوعَةً بِالظَّرْفِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْغُلَاةِ: «مَا» فَاعِلُ «اسْتَوَى» ، وَهُوَ بَعِيدٌ. ثُمَّ هُوَ غَيْرُ نَافِعٍ لَهُ فِي التَّأْوِيلِ ; إِذْ يَبْقَى قَوْلُهُ: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ) كَلَامًا تَامًّا، وَمِنْهُ هَرَبَ، وَفِي الْآيَةِ تَأْوِيلَاتٌ أُخَرُ لَا يَدْفَعُهَا الْإِعْرَابُ.