ومن لطائف ونكات تفسير ابن عجيبة:
(تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى(4)
ونسبة التنزيل إلى الموصول بعد نسبته إلى نون العظمة بقوله: (ما أَنْزَلْنا) لبيان فخامته تعالى بحسب الأفعال والصفات، إثر بيانها بحسب الذات بطريق الإبهام، ثم التفسير لزيادة تحقيق وتقرير. وتخصيص خلقهما بالذكر لتضادهما. وتقديم الأرض لكونه أقرب إلى الحس، ووصف السماوات بالعُلى، وهو جمع «عليا» لتأكيد الفخامة مع ما فيه من مراعاة الفواصل.
وكل ذلك إلى قوله: (لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) ، مسوق لتعظيم المنزل - عزّ وجلّ - المستتبع بتعظيم المنزَّل عليه، الداعي إلى تربية المهابة وإدخال الروعة، المؤدية إلى استنزال المتمردين عن رتبة العتو والطغيان، واستمالتهم إلى الخشية، المفضية إلى التذكير والإيمان.
(الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(5)
أي: هو الرحمن، ووصف تعالى بالرحمانية إثر وصفه بالخالقية للإيذان بأن ربوبيته تعالى، وقيامَه بالأشياء، من طريق الرحمة والإحسان، لا بالإيجاب، وفيه إشارة إلى أنَّ تنزيله القرآن أيضًا من رحمته - تعالى - ، كما ينبئ عنه قوله عزّ من قائل: (الرَّحْمنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ)
(وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى(17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18)
إنما سأله ليريه عظيم ما يفعل بها من قلبها حية، فمعنى السؤال: تقريره على أنها عصي، ليتبين له الفرقُ بين حالها قبل قلبها وبعده.
وقيل: إنما سأله ليؤنسه وينبسط معه، فأجابه بقوله: (هِيَ عَصايَ) نسبها لنفسه تحقيقًا لوجه كونها بيمينه.
(وَأَهُشُّ) أي: أخبط بِها الورق من الشجر ليسقط عَلى غَنَمِي فتأكله.
وعدَّاه بـ (على) لتضمنه معنى الإقبال والتوجه.