ومن لطائف ونكات معاني القرآن وإعرابه للزجاج:
(وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى(18)
وجاء (أُخْرَى) على لفظ صفة الواحدة، لأن (مآرب) في معنى جماعة فكأنَّها جماعات من الحاجات الأخرى، فلو جاءت (أخَرُ) كان صواباً.
(فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى(44)
(لعل) في اللغة ترجٍّ وطمع، تقول: لَعلي أصير إلَى خيرٍ، فمعناه أرجو وأطمع أن أصير إلى خير، واللَّه - عزَّ وجلَّ - خاطب العبادَ بما يعقلون.
والمعنى عند سيبويه فيه: اذْهَبَا عَلَى رَجَائكما وَطَمَعِكُمَا.
والعلم من الله عزَّ وجلَّ قد أتى من وراء ما يكون.
وقد علم الله عزَّ وجلَّ أنه لا يتذكر ولا يخشى، إلا أن الحجة إنما تجب عليه بالإبانة، وإقامتها عليه، والبرهان.
وإنما تبعَثُ الرسُل وهي لا تعلم الغيب ولا تدري أيقبل منها أم لا، وهم يرجون ويطمعون أن يقبل مِنهم، ومعنى (لعل) متصور في أنفسهم، وعلى تصور ذلك تقوم الحجة، وليس علم الله بما سيكون تجب به الحجة على الآدميين، ولو كان كذلك لم يكن في الرسل فائدة.
فمعنى: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) هو الذي عليه بُعثَ جميعُ - الرُّسُلِ.
(وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى(47)
ليس يعني به التحية، وإنما معناه أن من اتبع الهدى سلم من عذاب اللَّه وسخطه والدليل على أنه ليس بسلام أنه ليس ابتداء لقاء وخطاب.
(وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)
مثل ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً.
وقيل أعْمَى عن حجتِه، وتأويله أنه لا حجة له يهتدي إليها، لا أن له حجةً، وأنه يعمى عنها.
ما للناس على اللَّه حجة بعد الرسلِ، ولله الحجة البَالِغةُ وقد بَشَّرَ وأنْذَرَ، وَوَعَدَ وأوْعَدَ. انتهى انتهى {معاني القرآن وإعرابه، للزجاج} ...