{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ}
يقال في عقب الخير خلف بفتح اللام وفي عقب الشر خلف بالسكون وهو المعني هنا. واختلف فيمن المراد بذلك، فقيل: النصارى لأنهم خلفوا اليهود، وقيل: كل من كفر وعصى من بعد بني إسرائيل {أَضَاعُواْ الصلاة} قيل: تركوها، وقيل أخرجوها عن أوقاتها {يَلْقَونَ غَيّاً} الغي: الخسران، وقد يكون بمعنى الضلال فيكون على حذف مضاف تقديره: يلقون جزاء غيّ {إِلاَّ مَن تَابَ} استثناء يحتمل الاتصال والانقطاع.
{بالغيب} أي أخبرهم من ذلك بما غاب عنهم {مَأْتِيّاً} وزنه مفعول، فقيل: إنه بمعنى فاعل، لأن الوعد هو الذي يأتي وقيل إنه على بابه لأن الوعد هو الجنة، وهم يأتونها {لَغْواً} يعني ساقط الكلام {إِلاَّ سلاما} استثناء منقطع {بُكْرَةً وَعَشِيّاً} قيل: المعنى أن زمانهم يقدر بالأيام والليالي، إذ ليس في الجنة نهار ولا ليل، وقيل: المعنى أن الرزق يأتيهم في كل حين يحتاجون إليه، وعبر عن ذلك بالبُكرة والعشي على عادة الناس في أكلهم.
{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} حكاية قول جبريل حين غاب عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أبطأت عني واشتقت إليك فقال: إني كنت أشْوَق، ولكني عبد مأمور؛ إذا بُعثت نزلت وإذا حُبست احتسبت. ونزلت هذه الآية {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلك} أي له ما قدامنا وما خلفنا، وما نحن فيه من الجهات والأماكن، فليس لنا الانتقال من مكان إلى مكان إلا بأمر الله، وقيل ما بين أيدينا: الدنيا إلى النفخة الأولى في الصور، وما خلفنا: الآخرة، وما بين ذلك: ما بين النفختين وقيل: ما مضى من أعمالنا وما بقي منها، والحال التي نحن فيها، والأول أكثر مناسبة لسياق الآية {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} هو فعيل من النسيان بمعنى الذهول وقيل بمعنى الترك، والأول أظهر.