الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ} الْكَافِرُ الَّذِي لَا يُصَدِّقُ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ: أُخْرَجُ حَيًّا، فَأُبْعَثُ بَعْدَ الْمَمَاتِ وَبَعْدَ الْبَلَاءِ وَالْفَنَاءِ إِنْكَارًا مِنْهُ ذَلِكَ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ} الْمُتَعَجِّبُ مِنْ ذَلِكَ الْمُنْكِرُ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى إِحْيَائِهِ بَعْدَ فَنَائِهِ، وَإِيجَادِهِ بَعْدَ عَدَمِهِ فِي خَلْقِ نَفْسِهِ، أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ مِنْ قَبْلِ مَمَاتِهِ، فَأَنْشَأَهُ بَشَرًا سَوِيًّا مِنْ
غَيْرِ شَيْءٍ {وَلَمْ يَكُ} مِنْ قَبْلِ إِنْشَائِهِ إِيَّاهُ {شَيْئًا} فَيَعْتَبِرُ بِذَلِكَ وَيَعْلَمُ أَنَّ مَنْ أَنْشَأَهُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ لَا يَعْجَزُ عَنْ إِحْيَائِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ، وَإِيجَادِهِ بَعْدَ فَنَائِهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ} فَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: {أَوَلَا يَذْكُرُ} بِتَخْفِيفِ الذَّالِ، وَقَدْ قَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْحِجَازِ: (أَوَلَا يَذَّكَّرُ) بِتَشْدِيدِ الذَّالِ وَالْكَافِ، بِمَعْنَى: أَوَلَا يَتَذَكَّرُ، وَالتَّشْدِيدُ أَعْجَبُ إِلَيَّ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى جَائِزَةً، لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: أَوَلَا يَتَفَكَّرُ فَيَعْتَبِرُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَوَرَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ لَنَحْشُرَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ: أَئِذَا مِتْنَا لَسَوْفَ نُخْرَجُ أَحْيَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُبُورِهِمْ، مُقْرَنِينَ بِأَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الشَّيَاطِينِ {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا} وَالْجِثِيُّ: جَمْعُ الْجَاثِي.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا}
يَعْنِي: الْقُعُودَ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً}
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69) }