[من روائع الأبحاث القيمة والنفيسة]
فقه التدرج في دعوة إبراهيم عليه السلام
للدكتور/ أمين الدميري
لقد أثنى الله تعالى على خليله إبراهيم عليه السلام في مواضع كثيرة؛ منها:
قوله تعالى:"وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى" [النجم: 37] .
وقوله تعالى:"وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ" [البقرة: 124] ، وهذه شهادة من الله تعالى بأنه أتم عهد العبودية.
وشهادة أخرى في قوله تعالى:"إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ" [البقرة: 131] ، وهذا ثناء على سبيل الإجمال.
أما التفصيل، فيقول الرازي:"فهو أنه عليه السلام ناظر في إثبات التوحيد وإبطال القول بالشركاء والأنداد في مقامات كثيرة:"
المقام الأول: مناظرته مع أبيه، كما حكاها القرآن في سورة مريم:"يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا" [مريم: 42] .
المقام الثاني: مناظرته مع قومه في قوله تعالى:"فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ..." [الأنعام: 76] .
المقام الثالث: مناظرته مع ملك زمانه، في قوله تعالى:"إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" [البقرة: 258] .
المقام الرابع: مناظرته مع الكفار بالفعل، في قوله تعالى:"فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ" [الأنبياء: 58] " [1] ."
ومن خلال الكلام عن المقامات الأربعة، سوف أوضِّح مظاهر التدرج في دعوة إبراهيم عليه السلام؛ وأذكر منها:
1 -البَدْء بدعوة أبيه؛ لأنه أقرب الأقربين إليه، ولأنه كان صانعًا للأصنام، وهذا من باب تجفيف ينابيع الكفر!