(بَابٌ فِيمَنْ يَتَمَنَّى الْمَوْتَ وَآثَرَ الْمَرَضَ وَالْعَمَى عَلَى لِقَاءِ النَّاسِ)
قال الخطابي:
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثُونَا عَنِ الْخَلَّادِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَقْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي الْقُرَاقِصِ الْكِنْدِيُّ قَالَ: قَالَ الْفَضْلُ رَحْمَةُ اللَّهُ عَلَيْهِ:"إِنِّي لَأَتَمَنَّى الْمَرَضَ. قُلْتُ لَهُ: لِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِئَلَّا أَرَى النَّاسَ"
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ ابْنِ الْمَرْزُبَانِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَدِينِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْخٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو السَّعْدِيِّ الْحَارِثِيُّ قَالَ:"أَتَيْتُ عَوَانَةَ بَعْدَ مَا كَفَّ بَصَرُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُ بِهِ ثُمَّ قُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يَسْلُبْ عَبْدًا شَيْئًا إِلَّا عَوَّضَهُ مَكَانَهُ شَيْئًا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ فَمَا الَّذِي عَوَّضَكَ مِنْ بَصَرِكَ قَالَ: الطَّوِيلُ الْعُرَيْضُ يَا بَغِيضُ. فَقُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: أَنْ لَا أَرَاكَ وَلَا يَقَعَ بَصَرِي عَلَيْكَ"
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي بَشَّارُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ جَحٍّ قَالَ:"لَمَّا كَفَّ بَصَرُهُ وَانْتَقَلَ إِلَى قَرْيَتِهِ بِغَوْرِ سَارَانَ قَصَدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمِلْتَانِ كَحَّالٌ حَاذِقٌ بَصِيرٌ بِالْقَدْحِ فَلَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ أَنْزَلَهُ وَأَحْسَنَ تَعَهُّدَهُ فَكَانَ الرَّجُلُ يَغْدُو عَلَيْهِ وَيَرُوحُ وَجَعَلَ يُهَوِّنُ عَلَيْهِ الْأَمْرَ فِي مُعَالَجَتِهِ وَيُمَنِّيهِ رُجُوعَ بَصَرِهِ فِي مُدَّةٍ سَرِيعَةٍ فَكَانَ أَحْمَدُ يُرَافِقُهُ الْوَقْتَ بَعْدَ الْوَقْتِ إِلَى أَنْ ضَجَرَ الرَّجُلُ بِطُولِ الْمَقَامِ وَمَلَّ الثَّوَاءَ عِنْدَهُ قَالَ: فَحَضَرَنِي وَطَلَبَ إِلَيَّ أَنِ اسْتَأْذِنَ لَهُ فِي الِانْصِرَافِ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَعَرَّفْتُهُ قِصَّةَ الرَّجُلِ وَأَشَرْتُ عَلَيْهِ بِالْإِقْبَالِ عَلَى الْعِلَاجِ وَهَوَّنْتُ عَلَيْهِ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ لِي: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ أَتُشِيرُ عَلَيَّ بِأَنِ أَحْتَمِلَ هَذَا الْأَلَمَ وَأَنْ أُغَرِّرَ بِجَمَالِ هَذِهِ الْمُقْلَةِ الْبَاقِيَةِ وَلَسْتُ عَلَى يَقِينٍ مِنَ السَّلَامَةِ. وَهَبْ أَنَّ الْعِلَاجَ قَدْ نَجَحَ وَوَقَعَ مَوْقِعَهُ وَعَادَ الْبَصَرُ إِلَى مَا كَانَ"
عَلَيْهِ مِنَ الْقُوَّةِ فَقُلْ لِي: إِذَا فَتَحْتُ عَيْنِي وَأَبْصَرْتُ بِهَا أَنْظُرُ إِلَى مَنْ مِنْ إِخْوَانِي وَأَصْدِقَائِي وَقَدْ هَلَكُوا أَلَا وَاللَّهِ إِنَّ الزَّمَانَ الَّذِي أَنَا فِيهِ، وَالنَّاسَ الَّذِينَ أَنَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ لَقَوْمٌ لَوْ كُنْتُ بَصِيرًا صَحِيحَ الْبَصَرِ لَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيَّ أَنْ أَتَعَامَى عَلَيْهِمْ فَأَغُضَّ بَصَرِي عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ. قُلْ لِهَذَا الْإِنْسَانِ يَنْصَرِفُ فِي حِفْظِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَمَرَ بِتَجْهِيزِهِ فَانْصَرَفْتُ وَدَفَعْتُ كِسْوَةً وَنَفَقَةً وَجَهَّزْتُهُ فَانْصَرَفَ". انتهى انتهى {العزلة، للخطابي} ..."