ومن لطائف ونكات تفسير ابن عجيبة:
سورة مريم
(ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا(2) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (3)
قال الثعلبي: فيه تقديم وتأخير. أي: ذكر ربك عبده زكريا برحمته، (إِذْ نادى رَبَّهُ) وهو في محرابه في طلب الولد (نِداءً خَفِيًّا) سرًا من قومه، أو في جوف الليل، أو مخلصًا فيه لم يطلع عليه إلا الله.
ولقد راعى عليه السلام حسن الأدب في إخفاء دعائه، فإنه أَدْخَلُ في الإخلاص وأَبْعَدُ من الرياء، وأقرب إلى الخلاص من كلام الناس، حيث طلب الولد في غير إِبَّانِهِ ومن غائلة مواليه الذين كان يخافهم.
(قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا(4)
أي: ضعف بدني وذهبت قوتي.
وإسناد الوهن إلى العَظْم لأنه عماد البدن ودعامة الجسد، فإذا أصابه الضعف والرخاوة أصاب كله، وإفراده للقصد إلى الجنس المنبئ عن شمول الوهن إلى كل فرد مِن أفراده. ووهن بدنه عليه السلام: لكبر سنه، قيل: كان ابن سبعين، أو خمسًا وسبعين، وقيل: مائة، وقيل: أكثر.
(وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) أي: لم أكن بدعائي إياك خائبًا في وقت من أوقات هذا العمر الطويل، بل كنت كلما دعوتك استجبتَ لي. توسل إلى الله بسابق حسن عوائده فيه، لعله يشفع له ذلك بمثله، إثر تمهيد ما يستدعي ويستجلب الرأفة من كبر السن وضعف الحال. والتعرض في الموضعين لوصف الربوبية لتحريك سلسلة الإجابة بالمبالغة في التضرع، ولذلك قيل: من أراد أن يُستجاب له فليدعُ الله بما يناسبه من أسمائه وصفاته.