{الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الكهف: 1] إشارة إلى أن الحمد والمدح والثناء والشكر كله لله أي: هو المستحق به ولا يصلح ذلك لغيره؛ لأن وجوده كل شيء نعمة فلا منعم إلا هو {الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} [الكهف: 1] أي: على من يحسن عليه اسم العبد مطلقاً يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وهذه كرامة لم يكرم بها الله قبل نبياً مرسلاً ولا ملكاً مقرباً، فإنه تعالى ذكره في مواضع من القرآن بعبده مطلقاً من غير أن يسميه بكليم آخر مع عبده، كما قال: {سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} [الإسراء: 1] وما ذكر أحداً من الأنبياء بالعبد إلا وقد سماه باسمه كما قال: {عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ} [مريم: 2] .
والعبد الحقيقي من يكون حراً من الكونين وهو محمد صلى الله عليه وسلم إذ يقول:"أمتي أمتي"يوم يقول كل نبي نفسي نفسي، فكان هو العبد الحقيقي الذي لم يكن لنفسه، بل كان بكليته لمولاه.
وفيه معنى آخر أن الحمد واجب على النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزل القرآن على قلبه وهو مخصوص بذلك من الأنبياء، فإن الكتب أنزلت عليهم في الصحف والألواح وإذا اختص بالعبد مطلقاً {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} [الكهف: 1] أي: ولم يجعل قلب محمد متعرجاً لا يستقيم فيه القرآن يدل على هذا التأويل قوله:"لا يستقيم إيمان أحدكم حتى يستقيم قلبه"فتقدير الكلام: قل يا محمد {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل} [الكهف: 1] لقلبه {عِوَجَا} [الكهف: 1] لا يستقيم فيه القرآن بل {قَيِّماً} [الكهف: 2] أي: القرآن قائم فيه حتى صار خلقه القرآن.