وَقَالَ ابْنُ فَضَّالٍ المُجَاشِعِي:
وَمِنْ سُورَةِ (مَرْيَمَ)
قوله تعالى: (كهيعص(1) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2)
قد فسرنا فواتح السور فيما تقدم.
ومما يسأل عنه هاهنا أن يقال: بم ارتفع (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ) ؟
وفيه وجهان:
أحدهما: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هو ذكر.
والثاني: أن يكون مبتدأ والخبر محذوف تقديره: فيما يتلى عليكم ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ
ونصب (عبدَه) بـ رحمة.
قوله تعالى: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)
قال أبو صالح: يرثني النبوة، وقال الحسن ومجاهد: يرثني العلم والنبوة، وقال السدي: يرث نبوته ونبوة آل يعقوب.
ويجوز في (يَرِثُنِي) الرفع والجزم، فالرفع على النعت لـ ولي، وهي قراءة السبعة إلا أبا عمرو
والكسائي فإنهما قرأا بالجزم، والجزم على أنه جواب الدعاء.
قوله تعالى: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا(24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)
السري: الجدول في قول البراء بن عازب، وقال ابن عباس ومجاهد وابن جبير: هو النهر، وقال
الضحاك وقتادة وإبراهيم: هو النهر الصغير، وقال الحسن وابن زيد السري: النهر معروف في كلام العرب.
قال لبيد:
فَتَوَسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ، وصَدَّعا ... مَسْجُورَةً مُتَجاوِراً قُلَّامُها
(فصل)
ومما يسأل عنه أن يقال: لم أُمِرت بهز الجذع، والله قادر أن يسقط عليها الرطب من غير هَزٍّ منها؟
والجواب: أن الله تعالى جعل معائش الدنيا بتصرف أهلها وتطلبهم لها.
ويُسأَل: بم انتصب (رُطَبًا جَنِيًّا) ؟
وفيه جوابان:
أحدهما: أنه مفعول لـ (هُزِّي) ، أي: هُزِّي رطبًا جنياً يتساقط عليك، هذا قول المبرد.
وقال غيره: هو نصب على التمييز. والعامل فيه (تُسَاقِطْ) .
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وابن عامر وأبو بكر عن عاصم (تُسَّاقَطْ) بالتاء ورد
الضمير إلى النخلة، والباء في قوله (بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) زائدة.
وقرأ حمزة (تَسَاقَطْ) أراد: تتساقط، فحذف التاء الثانية لأنها زائدة كراهة لاجتماع التاءين.