(فصل: في استطراد إِلَى قصَّة مَرْيَم وتبيين أَن مقَامهَا عِنْد هز الْجذع لَيْسَ أقل من مقَامهَا فِي الغرفة)
قال السبتي:
وَهنا نُكْتَة شريفة يجب الِاعْتِبَار بهَا فِي قصَّة مَرْيَم عَلَيْهَا السَّلَام عِنْد هز الْجذع وَهِي معضودة بِقصَّة أَيُّوب عَلَيْهِ السَّلَام فِي بركَة ركضه وبركات بعض الْأَنْبِيَاء فِيمَا لمسوه وركضوه وضربوه وَذَلِكَ أَن مُعظم أهل الْإِشَارَة رَحِمهم الله أصفقوا على أَن مَرْيَم عَلَيْهَا السَّلَام كَانَ مقَامهَا فِي الغرفة أَعلَى مِمَّا كَانَ عِنْد النَّخْلَة
وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بِمَا جَاءَ فِي الْخَبَر عَن الرزق الَّذِي كَانَ يجد عِنْدهَا زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَام إِذا كَانَ يجد عِنْدهَا فَاكِهَة الشتَاء فِي الصَّيف، وَفَاكِهَة الصَّيف فِي الشتَاء فَكَانَ يَأْتِيهَا بِلَا سَبَب، فَلَمَّا نظرت إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام حِين وَلدته أحبته فَأمرت بِالْكَسْبِ فِي هز النَّخْلَة لكَونهَا رجعت من جمع إِلَى تَفْرِيق
وَقَالُوا فِي هَذَا وأطنبوا وأنشدوا الأبيات الْمَشْهُورَة على قافية الْبَاء إِلَى غير ذَلِك.
وَهَذِه رَحِمهم الله وهلة مِنْهُم وغفلة عَن الأولى والأحرى فِي حق تِلْكَ الصديقة
وَأول مَا يعْتَرض بِهِ عَلَيْهِم أَن يُقَال لَهُم من أَيْن يحكمون عَلَيْهَا أَنَّهَا لما رَأَتْ الْوَلَد تَفَرَّقت بميل قَلبهَا إِلَيْهِ
وَهَذَا لَا يَصح إِلَّا بتوقيف، والتوقيف فِي ذَلِك مَعْدُوم، وَبِمَ تردون على من يَدعِي نقيض دعواكم ويبرهن عَن ذَلِك أَن مَرْيَم عَلَيْهَا السَّلَام مَا كَانَت قطّ فِي مقَام هُوَ أَعلَى من مقَامهَا فِي تِلْكَ الأزمة على تِلْكَ الْحَالة
وعَلى قدر الأزمات يَأْتِي الْفرج، وَذَلِكَ أَنَّهَا قبضت فِي ذَلِك الْمقَام من سَبْعَة أوجه
أَحدهَا أَن خاطبها الْملك على ضعفها وَصغر سنّهَا ووحدتها فِي الفلاة وَهَذَا أَمر لَا يتخيل مَا يكون فِيهِ إِلَّا من دهمه
الثَّانِي أَنه كَانَ أول خطاب خوطبت بِهِ وَقد جَاءَ فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما خاطبه الْملك فِي أول مرّة كَاد أَن يتردى من حالق الْجَبَل خيفة من فَجْأَة الْملك وفجأة الْخطاب وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام فِي ثَانِي حَال يَأْتِيهِ الْوَحْي فِي الْيَوْم الشَّديد الْبرد فيتفصد عرقا هَيْبَة من فَجْأَة الْوَحْي وإعظاما للْملك