قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16)
اعتزلت من أهلها (مَكَانًا) إلى جهة المشرق.
(فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا) كناية عن الاغتسال من المحيض.
(فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا) يمكن أن يكون جبريل أو ملكًا من ملائكة الأرحام، على
جميعهم - عليه السلام - (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) كان من الحكمة في
التمثيل لها بالبشر أن يكون المراد بنفخته فيها شبيهًا به حين النفخ صورة بشر،
أو شبيهًا به في أنه ينفخ في الطين كهيئة الطير، فيكون طائرًا بإذن الله، ويكون روحًا
تجري عليه، وفيه اسمه ومعناه.
وكان وجه الحكمة في أن يكون ذلك على أثر الطهر من الحيض وفراغ
من الغسل؛ ليصل النفخ من الروح - عليه السَّلام - إلى الرحم طاهرًا من أذى الحيض وهي
طاهرة شرعا، ليكون المراد من ذلك طاهرًا مطهرًا طيبًا قابلاً للكتاب والحكمة
مباركًا.
قوله تعالى: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا(17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ
بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) . إنما يتذكر من يخشى وإنما يتعظ المتقون.
قوله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه - فكما حكاه عنها من قولها: (أَنَّى يَكُونُ لِي
غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) . والبغي أبدًا إنما تبغي مع بشر
مثلها كما قال - عز من قائل: (وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) فما
معنى قولها - عليها السلام - (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) والحلال يكون مع البشر والبغاء
كذلك.
إنما ذلك - والله أعلم بما ينزل - وأنبياؤه ويعلمون بما أوحي إليهم ما شاء، إن
الحلال وإن كان مسيسه من البشر ومع البشر لما كان بكلمة اللَّه وسنة رسول الله،
وبما جعله الله بينهما من الصدق والأمر منه، كان ذلك باكتساب من المؤمن
وبواسطة من الملائكة حركة وشهوة وما يدعو إلى ذلك، وسقوط نطفة على
رضا من الله - جل ذكره - ولما كان الزاني والزانية شهوتهما وحركتهما وفعلهما