فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 279241 من 466147

وقال الإمام عبد القاهر الجرجاني:

سورة مريم

{وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا (4) }

ومن دقيقِ ذلك وخَفِيِّه، أنكَ ترى الناسَ إِذا ذَكَروا قولَه تعالى: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} لم يَزيدوا فيه على ذِكْرِ الاستعارةِ، ولم ينسبوا الشرف لا إِليها، ولم يَرَوا لِلمزيَّة مُوجِباً سِواها، هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامِهمْ. وليس الأَمرُ على ذلك، ولا هذا الشَّرفُ العظيمُ، ولا هذه المزيةُ الجليلةُ، وهذه الرَّوعةُ التي تدخلُ على النُّفوس عند هذا الكلامِ لمجرَّدِ الاستعارة، ولكن لأنْ سُلِك بالكلام طريقُ ما يسندُ الفعْلُ فيه إِلى الشيءِ، وهو لِما هو من سَبَبِهِ، فيُرفعُ به ما يُسند إِليه، ويُؤتى بالذي الفعلُ له في المعنى منصوباً بَعده، مبيناً أنَّ ذلك الإِسنادَ وتلك النسبةَ إِلى ذلك الأولِ، إِنَّما كانا من أجلِ هذا الثاني، ولما بينَه وبينَه منَ الاتَّصالِ والملابسةِ، كقولهم:"طابَ زيدٌ نفساً"، و"قر عمرو عينًا"، و"تصبب عرقًا"، و"كرم أصلًا"، و"حسن وجْهاً"وأشباهِ ذلك مما تَجِد الفعلَ فيه منقولاً عن الشيء إِلى ما ذلك الشيءُ من سببهِ.

وذلك أَنَّا نَعلم أَنَّ"اشتعل"للشيبِ في المعنى، وإنْ كانَ هو للرأسِ في اللفظ، كما أنَّ"طاب"للنفس، و"قر"للعين، و"تصبب"للعرق، وإن أُسِند إِلى ما أُسنِد إِليه.

يُبَيِّنُ أنَّ الشرَفَ كان لأَن سُلِكَ فيه هَذا المسلكُ، وتُوُخَّيَ به هذا المذهبُ أنْ تَدَع هذا الطريقَ فيه، وتأخذَ اللفظَ فتُسنِده إِلى الشَّيب صريحاً فتقول:"اشتعلَ شَيبُ الرأسِ"، أو"الشيبُ في الرأس"، ثم تنظر هل تَجدُ ذلك الحُسْنَ وتلك الفخامَة؟ وهل تَرى الروعةَ التي كنتَ تَراها؟

فإِن قلْتَ: فما السببُ في أَنْ كان"اشتعلَ"إِذا استُعيرَ للشَّيْب على هَذا الوجهِ، كان لهُ الفضْلُ؟ ولمَ بانَ بالمزيَّةِ منَ الوَجهِ الآخرِ هذه البَيْنُونَة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت