{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) }
قوله: {واذكر} بمعنى واتل وشهر، لأن الله تعالى هو الذكر، و {الكتاب} هو القرآن وهذا وشبهه من لسان الصدق الذي أبقاه الله عليهم، و"الصديق"، فعيل بناء مبالغة من الصدق، وقرأ أبو البرهسم"إنه كان صادقاً"، والصدق عرفه في اللسان وهو مطرد في الأفعال والخلق، ألا ترى أنه يستعار لما لا يعقل فيقال صدقني الطعام كذا وكذا قفيزاً، ويقال عود صدق للصلب الجيد، فكان إبراهيم عليه السلام يوصف بالصدق على العموم في أفعاله وأقواله وذلك يغترق صدق اللسان الذي يضاد الكذب، وأبو بكر رضي الله عنه وصف ب"صدّيق"لكثرة ما صدق في تصديقه بالحقائق وصدق في مبادرته إلى الإيمان وما يقرب من الله تعالى، و"الصديق"مراتب ألا ترى أن المؤمنين صديقون لقوله تعالى: {الذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} [الحديد: 19] . وقوله {يا أبت} ، اختلف النحاة في التاء من {أبت} ، فمذهب سيبويه أنها عوض عن ياء الإضافة والوقوف عنده عليها بالهاء، ومذهب الفراء أن يوقف عليها بالتاء، لأن الياء التي للإضافة عنده منوية وجمهور القراء على كسر التاء، وفي مصحف ابن مسعود"واأبت"بواو للنداء، وقرأ ابن عامر والأعرج وأبو جعفر."يا أبتَ"بفتح التاء، ووجهها أنه أراد"يا أبتا"فحذف الألف وترك الفتحة دالة عليها، ووجه آخر أن تكون التاء المقحمة كالتي في قوله يا طلحة وفي هذا نظر وقد لحن هارون هذه القراءة، والذي {لا يسمع ولا يبصر} ، هو الصنم ولو سمع وأبصر كما هي حالة الملائكة وغيرهم ممن عبد لم يحسن عبادتها، لكن بين إبراهيم عليه السلام بنفي السمع والبصر شنعة الرأي في عبادتها وفساده. وقوله {قد جاءني} يدل على أن هذه المقاولة هي بعد أن نبئ، و"الصراط السوي"، معناه الطريق المستقيم، وهو طريق الإيمان، وقوله {يا أبت لا تعبد الشيطان} ، مخاطبة بر واستعطاف على حالة كفره. وقوله {لا تعبد الشيطان} يحتمل أن يكون