(فصل: من بديع لغة التنزيل)
قال السامرائي:
سورة «مريم»
قال تعالى: (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا(8) .
قوله تعالى عِتِيًّا (8) أي: اليبس والجساوة في المفاصل والعظام، كالعود القاحل يقال: عتا العود وعسا من أجل الكبر والطّعن في السن العالية.
والفعل «عتا يعتو» مصدره عتوّ وعتيّ بمعنى استكبر وجاوز الحدّ وقرئ «عتيّا» بضم العين.
ومنه أيضا قوله تعالى: (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا(69) .
أقول: وكأنّ بين اليبس والجساوة في المفاصل والعظام، وبين الاستكبار وتجاوز الحد قرابة وبشيء من اللطف، يصار من هذه إلى تلك.
2 -وقال تعالى: (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً(9) .
قوله تعالى (ولم تك) حذف النون للتخفيف، وذلك إذا وليها حرف ذو حركة، فإن كان ساكنا امتنع الحذف وقد ورد في الشعر ضرورة، ومنه قول الشاعر:
إذا لم تك المرآة أبدت محاسنا فقد أبدت المرأة جبهة ضيغم ومثل الآية قوله تعالى أيضا:
وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) .
3 -وقال تعالى: (فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ [الآية 23] .
وقوله تعالى: (فَأَجاءَهَا فعل مزيد بالهمزة، والثلاثي «جاء» إلّا أنّ استعمال المزيد قد تغيّر بعد الزيادة إلى معنى الإلجاء، تقول: جئت المكان، وأجاءنيه زيد، كما تقول: بلغته وأبلغنيه.
ونظيره «آتي» ، حيث لم يستعمل إلّا في الإعطاء. ولم تقل: أتيت المكان وآتانيه فلان.
أقول: وليس لنا في العربية المعاصرة الفعل المزيد «أجاء» .
4 -وقال تعالى: (وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا(23) .
وقرئ «نسيا» بكسر النون وفتحها، فمن قرأ بالكسر فمعناه: حيضة ملقاة، أي، خرقة الحيض، ومن قرأ بالفتح فمعناه شيئا منسيا.
والنّسي أيضا: ما نسي وما سقط في منازل المرتحلين من رذال أمتعتهم.
وتقول العرب إذا ارتحلوا من المنزل:
انظروا أنساءكم، جمع نسي وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - «وددت أني كنت نسيا منسيا» أي شيئا حقيرا مطّرحا ولا يلتفت إليه. وقال تعالى: (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا(24) .
السّريّ: النهر، عن ثعلب، وهو الجدول الصغير يجري إلى النخل، والجمع أسرية وسريان.
وكذلك قال ابن عبّاس، وهو قول أهل اللغة.
وروي عن الحسن، أنّه كان يقول كان والله سريّا من الرجال، ويعني عيسى (ع) .