وقال المؤيد بالله:
سورة مريم
(قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً(4)
فإنك تجد كل جملة منها بل كل كلمة من كلماتها تحتوى على لطائف، وليس في آي القرآن المجيد حرف إلا تحته سر ومصلحة فضلا عما وراء ذلك، والكلام في تقرير تلك اللطائف الإجمالية، وما يتلوها من الأسرار التفصيلية، مقرر في معرفة حد الكلام وأصله، وأن كل مرتبة من مراتب الإجمال متروكة في الآية وسياقها، وجملة ما نورده من ذلك درجات عشر، كل واحدة منها على حظ من الإجمال، بعدها درجة أخرى على حظ من التفصيل، حتى تكون الخاتمة هو ما اشتمل عليه سياقها المنظوم على أحسن نظام، وصار واقعا في تتميم بلاغتها أحسن تمام.
الدرجة الأولى: نداء الخفية، فإنه دال على ضعف الحال وخطاب المسكنة والذل حتى لا يستطيع حراكا وهو من لوازم الشيخوخة والهزال، لما فيه من التصاغر للجلال والعظمة بخفض الصوت في مقام الكبرياء، وعظم القدرة فهذه الجملة مذكورة كما قررناه، وهي مناسبة لحاله، ولهذا صدرها في أول قصته لما فيها من ملائمة الحال وهضم النفس، واستصغارها، وافتتاحها بذكر العبودية يؤكد ما ذكرناه ويؤيده.
الدرجة الثانية: كأنه قال، يا رب إنه قد دنا عمرى وانقضت أيام شبابي، فإن انقضاء العمر دال على الضعف، والشيخوخة لا محالة، لأن انقضاء الأيام والليالي هو الموصل إلى الفناء والضعف وشيب الرأس، ثم إن هذه الجملة صارت متروكة لتوخي مزيد التقرير إلى ما هو أكثر تفصيلا منها مما يكون بعدها.
الدرجة الثالثة: كأنه قال قد شخت فإن الشيخوخة دالة على ضعف البدن وشيب الرأس، لأنها هي السبب في ذلك لا محالة.
الدرجة الرابعة: كأنه قال وهنت عظام بدنى، جعله كناية عن ضعف حاله، ورقة جسمه، ثم تركت هذه الجملة إلى جملة أخرى أكثر تفصيلا منها.
الدرجة الخامسة: كأنه قال أنا وهنت عظام بدنى، فأعطيت مبالغة، لما قدم المبتدأ ببناء الكلام عليه كما ترى.
الدرجة السادسة: كأنه قال إنى وهنت العظام من بدنى فأضاف إلى نفسه، تقريرا مؤكدا «بإن» للأمر، واختصاصها بحاله، ثم تركت هذه الجملة بجملة غيرها.
الدرجة السابعة: كأنه قال إنى وهنت العظام مني، فترك ذكر البدن، وجمع العظام، إرادة لقصد شمول الوهن للعظام ودخوله فيها.
الدرجة الثامنة: ترك جمع العظام إلى إفراد العظم، واكتفى بإفراده فقال: إنى وهن العظم منى.