فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 279246 من 466147

الدرجة التاسعة: ترك الحقيقة، وهي قوله أشيب، أو شاب رأسى، لما علم أن المجاز أحسن من الحقيقة، وأكثر دخولا في البلاغة منها، ثم تركت هذه الجملة بجملة أخرى غيرها.

الدرجة العاشرة: أنه عدل عن المجاز إلى الاستعارة في قوله: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) وهي من محاسن المجاز، ومن مثمرات البلاغة، وبلاغتها قد ظهرت من جهات ثلاث.

الجهة الأولى إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادة شمول الاشتعال بجميع الرأس، بخلاف ما لو قال: اشتعل شيب رأسى، فإنه لا يؤدي هذا المعنى بحال، فاشتعل رأسى وزان اشتعلت النار في بيتى، واشتعل رأسى شيبا، وزان اشتعل بيتى نارا.

الجهة الثانية الإجمال والتفصيل في نصب التمييز، فإنك إذا نصبت (شَيْباً) كان المعنى مخالفا لما إذا رفعته، فقلت: اشتعل شيب رأسى، لما في النصب من المبالغة دون غيره.

الجهة الثالثة تنكير قوله شيبا، لإفادة المبالغة، ثم إنه ترك لفظ (مني) في قوله واشتعل الرأس شيبا، اتكالا على قوله: (وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي)

ثم إنه أتى به في الأول، بيانا للحال وإرادة للاختصاص بحاله في إضافته إلى نفسه، ثم عطف الجملة الثانية على الجملة الأولى بلفظ الماضي، لما بينهما من التقارب والملائمة، فانظر إلى هذا السياق المثمر المورق، وجودة هذا الرصف المعجب المونق، كيف ترك جملة إلى جملة، إرادة للإجمال بعده

التفصيل، من أجل إيثار البلاغة حتى انتهى إلى خلاصها، ودهن لبها ومصاصها. وهو جوهر الآية ونظامها بأوجز عبارة وأخصرها، وأظهر بلاغة وأبهرها واعلم أن الذي فتق أكمام هذه اللطائف حتى تفتحت أزرار أزهارها، وتعانقت أغصانها وتأنقت أفنانها، وتناسبت محاسن آثارها، هو مقدمة الآية وديباجتها، فإنه لما افتتح الكلام في هذه القصة البديعة بالاختصار العجيب، بأن طرح حرف النداء من قوله «رب» وياء النفس من المضاف، أشعر أولها بالغرض، فلأجل تأسيس الكلام على الاختصار عقبه بالاختصار والإجمال، وأكتفي بذكر هاتين الجملتين عما وراءهما من تلك المراتب العشر التي نبهنا عليها والحمد لله.

(وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا(33)

(خيال وتنبيه)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت