ومن لطائف ونكات حاشية الصاوي على الجلالين:
سُورَةُ مَرْيَمَ
{ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ}
ومعنى ذكر الرحمة، بلوغها وإصابتها لعبده زكريا، بمعنى عامله بالرحمة والنعمة، لا بالغضب والنقمة، وليس المراد بالذكر حقيقته، وهو ضد النسيان، لأنه مستحيل.
{إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً}
قوله: (جوف الليل) أي في جوفه.
قوله: (لأنه أسرع للإجابة) أي ما ذكر من كونه خفياً حاصلاً في جوف الليل، فتحصل أن إخفاء الدعاء والذل والتواضع والانكسار فيه من أسباب الإجابة، سيما إذا كان في جوف الليل.
{وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً}
قوله: (ولم يهم بها) أي لم تخطر بباله، ولا خصوصية له بذلك، بل جميع الأنبياء كذلك.
قوله: (عاصياً لربه) أشار بذلك إلى أن المبالغة ليست مرادة، بل المنفي أصل العصيان لا المبالغة.
{وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً}
قوله: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ} أي أمان له من المخاوف ونكر هنا، وعرف في قصة عيسى، لأن ما هنا حاصل من الله، والقليل منه كثير، وما ذكر في قصة عيسى (أل) فيه للعهد أي السلام والمعهود، وهو الكائن من الله.
قوله: {يَوْمَ وُلِدَ} أي من أن يناله الشيطان بمكروه.
قوله: {وَيَوْمَ يَمُوتُ} أي من عذاب القبر.
قوله: {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} أي من هول الموقف، ولا ينافي هذا ما ورد أن الأنبياء يوم القيامة يجثون على الركب ويقولون: رب سلم سلم، لأن جلال الله محيط بهم، فهم خائفون من هيبته وجلاله، لا من عذابه وعقابه، لصدق وعد الله في تأمينهم، فلا يخلف وعده. بقي شيء آخر وهو أنه ورد أن يحيى قتل في حياة والده، فكيف ذلك مع طلبه ولداً يرثه، وإجابة الله له بقوله: (كذلك هو علي هين) .
أجيب: بأن هذه الرواية ضعيفة، والحق أنه عاش بعد أبيه الزمن الطويل، وحينئذ فقد سقط السؤال والجواب.
{قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً}
قوله: (بتزوج) دفع به ما يقال إن قولها {لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} يدخل تحته {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} فأجاب: بأن المس عبارة عن النكاح في الحلال، والزنا ليس كذلك، بل يقال فجر بها وما أشبه.
قوله: {بَغِيّاً}