83 -ولما أجاب سبحانه عن سؤالين من سؤالات اليهود، وانتهى الكلام حيث انتهى .. شرع سبحانه في السؤال الثالث، والجواب عنه، فالمراد بالسائلين اليهود، أو كفار قريش بتلقينهم، فقال: {وَيَسْأَلُونَكَ} ؛ أي: يسألك يا محمد اليهود، أو كفار قريش، بتلقين اليهود سؤال اختبار وامتحان {عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ} الأكبر إسكندر بن فيلقوس اليوناني، كان عبدًا صالحًا ملَّكه الله الأرض، وأعطاه العلم والحكمة، وألبسه الهيبة، ملك الأقاليم كلها، وقهر أهلها من الملوك وغيرهم، ودانت له البلاد، وكان داعيًا إلى الله كما مر؛ أي: يسألونك عن خبره وقصته وحاله، وعبر بصيغة الاستقبال، للدلالة على استمرارهم على ذلك السؤال إلى ورود الجواب.
{قُلْ} لهم يا محمد في الجواب {سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ} ؛ أي: سأذكر لكم أيها السائلون {مِنْهُ} ؛ أي: من خبر ذي القرنين وحاله، فحذف المضاف {ذِكْرًا} ؛ أي: نبأً مذكورًا، وبيانًا واضحًا، أو المعنى سأتلو عليكم في شأنه من جهته تعالى {ذِكْرًا} ؛ أي: قرآنًا والسين للتأكيد والدلالة على التحقق؛ أي: لا أترك التلاوة ألبتَّة، أي: قل لهؤلاء المتعنتين: سأقص عليكم قصصًا وافيًا، جامعًا لما تريدون، أعلمنيه ربي، وأخبرني به،
84 -ثم فصل ذلك فقال: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ} ؛ أي: لذي القرنين أمره من التصرف {فِي الْأَرْضِ} كيف يشاء، بحيث يصل إلى جميع مسالكها، ويظهر على سائر ملوكها؛ أي: جعلنا له قدرةً على التصرف في الأرض، من حيث التدبير والرأي، وعلى الأسباب حيث سخر له السحاب وبسط له النور وكان الليل والنهار عليه سواء في الضوء، وسهل عليه السير في الأرض {وَآتَيْنَاهُ} ؛ أي: أعطيناه {مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} يحتاج إليه في إصلاح ملكه {سَبَبًا} ؛ أي: طريقًا يوصله إلى ذلك الشيء المقصود، كآلات السير، وكثرة الجند، فأراد بلوغ المغرب
85 - {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} ؛ أي: سلك طريقا يوصله إلى استقصاء بقاع الأرض، ليملأها عدلًا