76 -قوله تعالى: {قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا}
قال أهل المعاني: أراد إن سألتك سؤال توبيخ وإنكار، كما قال في السفينة: {أَخَرَقْتَهَا} وفي الغلام: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا} وذاك أن السؤال على وجوه: منه ما هو: طلب الأخبار عن المعنى للفائدة، ومنه ما هو: للتقرير، ومنه ما هو: للتوبيخ. والكناية في قوله: {بَعْدِهَا} تعود إلى النفس المقتولة.
وقوله تعالى: {قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِى عُذرًا} قال ابن عباس: (يريد أنك قد أعذرت فيما بيني وبينك، وقد أخبرتني أني لا أستطيع معك صبرا) . وقال أهل المعاني: (هذا إقرار من موسى بأن الخضر قد قدم إليه ما يوجب العذر عنده، فلا يلزمه ما أنكر) .
وروي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تلا هذه الآية فقال:"استحيا نبي الله موسى عندها, ولو صبر لرأى ألفا من العجائب".
واختلف القراء في قوله: (مِن لَّدُنِّي) فقراءة العامة: بتشديد النون، وقرأ أهل المدينة: بتخفيفها.
قال أبو إسحاق: (الأجود تشديد النون؛ لأن أصل نون لَدُنْ الإسكان، فإذا أضفتها إلى نفسك زدت نونًا ليِعْلَمَ سكون النون الأولى، تقول: من لدنْ زيدٍ، فتسكن النون ثم تضيف إلى نفسك فتقول: من لَدُنِي، كما تقول: عن زيدٍ، ثم تقول: عَنِي) .
وقال أبو علي:(من قال من لَدُنِّي زاد النون التي تزاد مع علامة المضمر المجرور والمنصوب، في نحو مِنِّي، وعَنِّي، وقَطْنِي، وضَرَبَني، فأدغم الأولى الساكنة في التي تزاد مع الضمير، فصار من لدنِّي، وهذا هو القياس والذي عليه الاستعمال. ومن خفف فإنه لم يلحق النون التي تلحق علامة الضمير في نحو: ضَرَبني، وقدني كما قال:
قَدْنِي من نصر الخُبَيْبَيْن قدي
لم يلحق النون، كذلك قرأ نافع: لدني. ولا تكون النون المحذوفة نون لدن لثبوته في قولك: لدنه، ولدنك، ولدنَّا).