(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ... (50) }
يَا مُخْتَار الْكَوْن وَمَا يعرف قدر نَفسه أما أسجدت الْمَلَائِكَة بالْأَمْس لَك وجعلتهم الْيَوْم فِي خدمتك لما تكبر عَلَيْك إِبْلِيس وَقد عبدني سِنِين طردته أفتصافيه على خلافي {أفتتخذونه وَذريته أَوْلِيَاء من دوني} أَنا الْقَائِل قبل وجود أَبِيك للْمَلَائكَة {إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة} اطلعوا من خوخات تعبدكم فانظروا مَا أصنع أخذت قَبْضَة من تُرَاب فَصَبَبْت عَلَيْهَا قطرات من مَاء {مرج الْبَحْرين يَلْتَقِيَانِ} قَالَ التُّرَاب وَالْمَاء وَأي قدر لنا فَنزل دَار تواضعهما عَزِيز {ونفخت فِيهِ من روحي} فانضم صدف بَحر الْبدن على در الْقلب فانعقد فَصَارَ عرشا لصفة ويسعني
خلا المثقف بالطفل دَاخل الْبَيْت فسطر فِي لوح سره الْعلم {كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان} وَأخرجه يَوْم التَّخْيِير وَقد حذق الْمَكْتُوب فَقَالَ {أنبئهم بِأَسْمَائِهِمْ} ثمَّ قيل لَهُ لَا يحْتَمل مَوضِع الْخلْع
وجود ذَر الْبذر فَاخْرُج إِلَى عَالم الطَّبْع أكلت يَا دودة القز فاذهبي إِلَى الْغَزل وتشاغلي بالنسج فَنزل إِلَى دَار المجاهدة فَظهر من ثَمَرَة شجرته صَبر الْخَلِيل وَثُبُوت الذَّبِيح وَجِهَاد يُوسُف وَكَمَال مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ جَاءَ أَوْلِيَاء فِي هَذِه الدولة فخجلت عِنْد وهدهم الرهبة لَا بل سبقوا تعبد الْمَلَائِكَة
قَالَ سري ما فاتني ورد قط فقدرت على إِعَادَته وَذَاكَ أَن الزَّمَان الَّذِي مضى فِيهِ وَظِيفَة أُخْرَى
(مَا لي شغل سواهُ مَا لي شغل ... مَا يصرف عَن هَوَاهُ قلبِي عذل)
(مَا اصْنَع أَن جَفا وخاب الأمل ... مني بدل وَمِنْه مَا لي بدل)
كَانَت رَابِعَة العابدة تقوم من أول اللَّيْل وَتقول
(قَامَ الْمُحب إِلَى المؤمل قومه ... كَاد الْفُؤَاد من السرُور يطير)
فَإِذا انْقَضى اللَّيْل صاحت واحرباه واسلباه
(ذهب الظلام بأنسه وبإلفه ... لَيْت الظلام بأنسه يَتَجَدَّد)
دخلُوا على زجلة العابدة فكلموها فِي الرِّفْق بِنَفسِهَا فَقَالَت وَالله لأصلين لله مَا أقلتني جوارحي ولأصومن لَهُ أَيَّام حَياتِي ولأبكين مَا حملت المَاء عَيْنَايَ