{وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ}
أي: اذكر يوم نقلعها من أماكنها ونسيّرها في الجو. كما ينبئ عنه قوله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل: 88] ، أو نسير أجزاءها بعد أن نجعلها هباءاً منبثاً: {وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً} لبروز ما تحت الجبال، أي: ظهوره، بنسفها وبروز ما عداه بزوال الجبال والكثب. حتى تبدو للعيان سطحاً مستوياً، لا بناء ولا شجر ولا معلم ولا ما سوى ذلك: {وَحَشَرْنَاهُمْ} أي: جمعناهم إلى موقف الحساب: {فَلَمْ نُغَادِرْ} أي: نترك: {مِنْهُمْ أَحَداً} أي: لا صغيراً ولا كبيراً. كما قال: {قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الواقعة: 49 - 50] ، وقال: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} [هود: 103] .
{وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً} أي: مصطفين مترتبين في المواقف، لا يحجب بعضهم بعضاً كل في رتبته، قاله القاشاني.
وقال أبو السعود: صَفّاً أي: غير متفرقين ولا مختلطين. فلا تعرّض فيه لوحدة الصف وتعدّده.
قال الزمخشري: شبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان، مصطفين ظاهرين. يرى جماعتهم كما يرى كل واحد. لا يحجب أحدٌ أحداً: {لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي: بلا مال ولا بنين. أو لقد بعثناكم كما أنشأناكم. والكلام على إضمار القول. أي: وقلنا. تقريعاً للمنكرين للمعاد، وتوبيخاً لهم على رؤوس الأشهاد: {بَلْ زَعَمْتُمْ} أي: بإنكاركم البعث: {أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً} أي: وقتاً لإنجاز ما وعدناكم من البعث والنشور والحساب والجزاء. فلم يعملوا لذلك أصلاً، بل عملوا ما يزدادون به افتضاحاً. وبل للخروج من قصة إلى أخرى. فالإضراب انتقالي، لا إبطالي.