قال - عليه الرحمة:
{وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) }
كما تُسيَّرُ جبالُ الأرض يوم القيامة فإنها تُقْتَلَعَ بموت الأبدال الذين يديم بهم الحقُّ - اليومَ - إمساك الأرض، فهؤلاء السادَة - في الحقيقة - أوتادُ العالَم.
قوله: {فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدَاً} : الإشارة منه أنه ما من أحد إلا ويُسْقَى كأسَ المنية، ولا يغادر الحقُّ أحداً اليوم على البسيطة إلا وينخرط عن نظامه، وإِنَّ شَرَفَهم في الدرجات في تَوَقِّيهم عن مساكنة الدنيا.
قوله جلّ ذكره: {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً} .
يقيم كُلَّ واحدٍ يومَ العَرْضِ في شاهد مخصوص، ويُلْبِسُ كُلاً مايُؤَهِّله له؛ فَمِنْ لباسِ تقوى، ومن قميصِ هوى، ومن صِدَارِ وَجْدٍ، ومن صُدْرَةِ محبة، ومن رداءِ شوقٍ، ومن حُلَّة وُصْلَة.
ويقال يجرِّدهم عن كل صفة إلا ما عليه نظرهم يوم القيامة وينادي المنادي على أجسادهم: هذا الذي أَتَى وَوَجَدَ، وهذا الذي أَبَى وَجَحَدَ وهذا الذي خالَفَ فأَصَرَّ، وهذا الذي أنعمنا عليه فَشَكَرَ، وهذا الذي أحْسَنَّا إليه فَذَكَرَ. وهذا الذي أسقيناه شرابَنا، ورزقناه محابَّنا، وشَوَّقناه إلى لقائنا، ولَقَّيْنَاه خصائص رِعَائِنا.
وهذا الذي وَسَمْناه بحجتنا، وحرمناه وجُوُهَ قربتنا. وألبسناه نطاق فراقنا، ومنعناه، توفيق وفاقنا، وهذا، وهذا ...
واخجلتي من وقوفي وَسْطَ دارِهمُ! ... وقال لي مُغْضَباً: مَنْ أنت يا رجلُ؟
قوله جلّ ذكره: {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِداً} .
جئتمونا بلا شفيعٍ ولا ناصر، ولا مُعينِ ولا مُظاهِر.
قوم يُقال لهم: سلامٌ عليكم .... كيف أنتم؟ وكيف وَجَدَتُم مقيلَكم؟ وكم إلى لقائنا اشتقتم!