وفي حملهم لهذه الورق معهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان لا ينافي التوكل على الله ، والمدينة: دقسوس ، وهي مدينتهم التي كانوا فيها ، ويقال لها اليوم: طرسوس ، كذا قال الواحدي: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أزكى طَعَامًا} أي: ينظر أيّ أهلها أطيب طعاماً ، وأحلّ مكسباً ، أو أرخص سعراً ، وقيل: يجوز أن يعود الضمير إلى الأطعمة المدلول عليها في المقام كما يقال: زيد طبت أبا ، على أن الأب هو زيد ، وفيه بعد.
واستدل بالآية على حلّ ذبائح أهل الكتاب لأن عامة أهل المدينة كانوا كفاراً ، وفيهم قوم يخفون إيمانهم ، ووجه الاستدلال أن الطعام يتناول اللحم كما يتناول غيره مما يطلق عليه اسم الطعام {وَلْيَتَلَطَّفْ} أي: يدقق النظر حتى لا يعرف أو لا يغبن ، والأوّل أولى ، ويؤيده {وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} أي: لا يفعلنّ ما يؤدي إلى الشعور ويتسبب له ، فهذا النهي يتضمن التأكيد للأمر بالتلطف.
ثم علل ما سبق من الأمر والنهي فقال: {إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ} أي: يطلعوا عليكم ويعلموا بمكانكم ، يعني: أهل المدينة {يَرْجُمُوكُمْ} يقتلوكم بالرجم ، وهذه القتلة هي أخبث قتلة.
وكان ذلك عادة لهم ، ولهذا خصه من بين أنواع ما يقع به القتل {أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ} أي: يردّوكم إلى ملتهم التي كنتم عليها قبل أن يهديكم الله ، أو المراد بالعود هنا: الصيرورة على تقدير أنهم لم يكونوا على ملتهم ، وإيثار كلمة"في"على كلمة"إلى"للدلالة على الاستقرار {وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا} في إذاً معنى الشرط.
كأنه قال: إن رجعتم إلى دينهم فلن تفلحوا إذاً أبداً ، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وقد أخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {تَّزَاوَرُ} قال: تميل ، وفي قوله: {تَّقْرِضُهُمْ} قال: تذرهم.