الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمْ حَسِبْتَ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا، فَإِنَّ مَا خَلَقْتُ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَا فِيهِنَّ مِنَ الْعَجَائِبِ أَعْجَبُ مِنْ أَمْرِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَحُجَّتِي بِكُلِّ ذَلِكَ ثَابِتَةٌ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِكَ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ عِبَادِي.
عَنْ قَتَادَةَ: {كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا}
يَقُولُ: قَدْ كَانَ مِنْ آيَاتِنَا مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَمْ حَسِبْتَ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا، فَإِنَّ الَّذِي آتَيْتُكَ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ أَفْضَلُ مِنْهُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ قِصَّةَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ عَلَى نَبِيِّهِ احْتِجَاجًا بِهَا عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ سَأَلُوهُ عَنْهَا اخْتِبَارًا مِنْهُمْ لَهُ بِالْجَوَابِ عَنْهَا صِدْقَهُ، فَكَانَ تَقْرِيعُهُمْ بِتَكْذِيبِهِمْ بِمَا هُوَ أَوْكَدُ عَلَيْهِمْ فِي الْحُجَّةِ مِمَّا سَأَلُوا عَنْهُمْ، وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ عِنْدَ الْإِجَابَةِ عَنْهُ أَشْبَهُ مِنَ الْخَبَرِ عَمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ النِّعَمِ.
وَأَمَّا الْكَهْفُ، فَإِنَّهُ كَهْفُ الْجَبَلِ الَّذِي أَوَى إِلَيْهِ الْقَوْمُ الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ شَأْنَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَأَمَّا الرَّقِيمُ، فَإِنَّ أَهْلِ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى بِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اسْمُ قَرْيَةٍ، أَوْ وَادٍ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الرَّقِيمُ: وَادٍ بَيْنَ عُسْفَانَ وَأَيْلَةَ دُونَ فِلَسْطِينَ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ أَيْلَةَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الرَّقِيمُ: الْكِتَابُ
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: الرَّقِيمُ: لَوْحٌ مِنْ حِجَارَةٍ كَتَبُوا فِيهِ قَصَصَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، ثُمَّ وَضَعُوهُ عَلَى بَابِ الْكَهْفِ