1 - {الْحَمْدُ} ؛ أي: المدح والثناء والشكر كله مستحق {لِلَّهِ} سبحانه وتعالى؛ لأن وجود كلّ شيء نعمة من نعمه تعالى، فلا منعم إلا هو، قال القيصري رحمه الله تعالى: الحمد قوليٌّ، وفعليٌّ، وحاليٌّ، أما القولي: فحمد اللسان، وثناؤه عليه بما أثنى به الحق على نفسه على لسان أنبيائه عليهم السلام، وأما الفعلي: فهو الإتيان بالأعمال البدنية من العبادات والخيرات ابتغاء لوجه الله تعالى، وتوجهًا إلى جنابه الكريم، وأما الحالي: فهو الذي يكون بحسب الروح والقلب، كالاتصاف بالكمالات العلمية، والعملية، والتخلق بالأخلاق الإلهية؛ لأن النّاس مأمورون بالتخلق بلسان الأنبياء، صلوات الله عليهم، لتصير الكمالات ملكة نفوسهم وذواتهم {الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ} محمد - صلى الله عليه وسلم -، وفيه إشعارٌ بأنّ شأن الرسول أن يكون عبدا للمرسل، لا كما زعمت النصارى في حق عيسى - عليه السلام - {الْكِتابَ} ؛ أي القرآن الحقيق باسم الكتاب.
علّم سبحانه عباده كيف يحمدونه على إفاضة نعمه عليهم، ووصفه بالموصول يشعر بعليّة ما في حيز الصلة لما قبله، ووجه كون إنزال الكتاب - وهو القرآن - نعمة على رسوله - صلى الله عليه وسلم -، كونه اطّلع بواسطته على أسرار التوحيد، وأحوال الملائكة، والأنبياء، وعلى كيفية الأحكام الشرعية التي تعبّده الله وتعبّد أمّته بها، وكذلك العباد، كان إنزال الكتاب على نبيهم نعمة لهم، لمثل ما ذكرناه في النبي - صلى الله عليه وسلم -، و {الواو} في قوله: {وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ} ؛ أي: الكتاب {عِوَجًا} ؛ أي: اختلافًا في اللفظ، وتناقضًا في المعنى، أو ميلًا عن الحق، حاليّة، فالجملة حال أولى من الكتاب كما قاله الأصبهاني، ولكنها حال سببية؛ أي: أنزله غير جاعل له عوجًا؛ أي شيئًا من العوج بنوع اختلال في النظم، وتناف في المعنى، أو عدول عن الحق إلى الباطل.
والخلاصة: لا خلل في لفظه، ولا في معناه، واختار حفصٌ عن عاصم السكت على عِوَجًا وهو وقفةٌ لطيفةٌ من غير تنفس لئلا يتوهّم أنّ ما بعده صفة له،