(فصل)
قال الحَلِيمي:
إن قال قائل: أخبر الله تعالى عن الناس أنهم محاسبون مجزون.
وأخبر أنه يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولم يخبر عن ثواب الجن ولا عن حسابهم، فما القول في ذلك عندكم؟.
فالجواب: أنه قد قيل: إن الله تعالى لما أن قال: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} .
وقال عز وجل: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} دخل في الجملة الجن والإنس، فثبت للجن من وعد الجنة بعموم الآية، ما ثبت للإنس.
فإن قال قائل: فما الحكمة في إفراد الجن عن الإنس في الوعيد، وترك إفرادهم عنهم في الوعد؟
فقيل في جواب ذلك: إنهم قد ذكروا في الوعد لأن الله - عز وجل - يقول: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ} .
ثم قال: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} ، وإنما أراد ولكل من الجن والإنس، فقد صاروا مذكورين في الوعد مع الإنس كما ذكروا في الوعيد.
فإن قيل: أليس قد ذكر يخاطب الجن في النار، ولم يذكر يخاطب الفريقين في الجنة لأن الله - عز وجل - قال: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ} .
وقال: {قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} .
ولم يأت عن تعارض الفريقين في الجنة خبر؟
قيل: إنما ذكر في معارضهم في النار أن الواحد من الإنس يقول للشيطان الذي كان في الدنيا قرينه أنه المغاوي وأضلني.
فيقول له قرينه: ما أطغيته، ولكن كان ضالاً في نفسه غوياً، وهذا تخاصم يدعو إليه طاعة الإنس لقرنائهم من الجن وهم الشياطين في الدنيا، ولا سبب بين الفريقين يدعو أهل الجنة منها إلى التفاوض، فلذلك سلب عنهما.
وأيضاً فإن الله جل ثناؤه، أخبر الناس أن عصاتهم يكونون قرناء الشياطين يخاصمون في النار ليزجرهم بذلك عن التمرد والعصيان.
وليس في إجبار الأخيار باجتماع الجن معهم في الجنة ما يحرضهم على الازدياد من الطاعات والاستكثار من الخيرات، إذ لا معنى فيهم يسوق الإنس إليهم ويحثهم على مجاورتهم.