(فصل)
قال الحَلِيمي:
فإن قال: ما معنى دخول إبليس في الأمر الذي خوطبت الملائكة به إن لم يكن منهم؟
قيل: معنى ذلك أنه كان من الجن الذين خلقوا من النار، وكان [[إجراته] ] أنه في الأرض غير أن الله - عز وجل - أذن له في مساكنة الملائكة ومجاورتهم لحسن عبادته وشدة اجتهاده، وقد وردت الأخبار ببيان ذلك من حاله، فلما أسكن السماء وطال اختلاطه بالملائكة ومباينته لجنسه جرى في عداد الملائكة، وصار يواجدهم كالأعجمي يختلط بالعرب ويسكن بلادهم، فتعلم لسانهم وتخلق بأخلاقهم، فيكون أعجمياً مبعوثاً، ويدعى بذلك من العرب المستربة كلهم هكذا.
فلما أمرت الملائكة بالسجود لآدم دخل في الجملة الملك الأصيل والملحق بالملائكة، غير أن مفارقته الملائكة في أصل جملته على مفارقتهم في الطاعة، قال الله عز وجل: {إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} كما يكون الأعجمي المبعوث بين قوم فإذا همت العرب بأمر وأجمعت عليه، حمل الأعجمي أصله المخالف لأصل العرب على خلافهم، فيقال إنه كان من الأعاجم، فكذلك لم يواطئ العرب، فرده الله بعد ذلك إلى مساكن جنسه، وأخرجه من السماوات، فصار عند الإقصاء شيطاناً كما كان عند الأدنى ملكاً. انتهى انتهى {المنهاج في شعب الإيمان، للحَلِيمي} ...