79 -ثم فسر له فقال: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ}
هذه الآية دلالة على أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين؛ لأن الله تعالى أخبر أنهم كانوا مساكين مع أنهم كانوا يملكون سفينة وهي تساوى جملة من الدنانير، وذكرنا هذا عند قوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] الآية، ويجوز أن تكون المسكنة هاهنا لم يعن بها الفقر وقلة ذات اليد، لكن أريد بها عدم الناظر وانقطاع الحيلة، كما يقال للذي يظلمه عدوه: مسكين فلان. يراد بالمسكين المستضعف المهتضم، وإن كان كثير المال واسع الملك.
ومن هذا الباب ما روي في الحديث:"مسكين لا زوجة له".
يعني في العجز عن الصبر في بعض الأحوال وضعف الحيلة، وإن كان له مال كثير.
وقوله تعالى: {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} قال مجاهد: (أخرقها) . وعَابَ في اللغة يكون على معان ثلاثة يقال: عَابَ فلان فلانًا يعيبه عَيبًا، ورجل عَيَّاب، وعاب الحائط، والشيء إذا صار ذا عيب.
وقوله تعالى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} أكثر أهل العلم من المفسرين وأصحاب المعاني قالوا: {وَرَاءَهُمْ} هاهنا معناها أمامهم). وكذا كان ابن عباس يقرأ: (وكان أمامهم ملك) . ووراء بمعنى: أمام، ورد كثيرًا في التنزيل والشعر، فمن ذلك قوله تعالى: {وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} [إبراهيم: 17] ، {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ} [المؤمنون: 100] , وقول لبيد:
أليس ورائي إن تراخت منيتي
وهذا قول أبي حاتم، وأبي عبيد، وابن السكيت، وأبي عبيدة، والفراء، والزجاج، وذكرنا هذا في سورة إبراهيم.
وأنشد أبو عبيدة: لسوار بن المضرب السعدي:
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا
أي: أمامي. قال: ووراء الرجل خلفه، ووراءه قدامه، وأنشد أيضًا:
أليس ورائي أن أدبَّ على العصا ... فيأمن أعدائي ويسأمني أهلي