قوله - جلَّ جلالُه -: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا(60)
يقول: - عليه السلام - لا أنفك أسير لا أتثنى أطوي المراحل إلى أن
أبلغ مجمع البحرين، رأى - صلى الله عليه وسلم - أنه أوتي العلم دون أهل الأرض؛ إذ لم يعلم في
الأرض رسولاً غيره، فأراد الله أن يكشف له عن علم، هو أرفع من علم الرسالة التي
هي للبشر، فأعلمه بصاحبه وعناه بالترحال إلى مجمع البحرين، وجعل ذلك له اسمًا
للميعاد موافقًا للمجتمعين؛ إذ كان هو عالم أهل الأرض يومئذٍ والخضر كذلك.
والمراد من الله - جل ذكره - أن يجتمعا كان ذلك في مجمع
البحرين، وجعل له آية على وجوده ما هو مستخرج من البحر، يعلم بذلك أن كل ما
هو آية على مطلوب ما فهو من المطلوب بسبب، ليكون ذلك منه دلالة على ما هو
دال عليه، ومشيرًا بما هو فيه عليه.
ولما بلغا مجمع ما بين البحرين بلغا مطلوبهما، وأعجزهما العلم به والتمييز
له، فلزمت الآية ما هي عليه آية، وجعل الحوت في البحر، وجمد الماء عليه
حبسًا له؛ ليدلهما به على ما جعله الله دليلا عليه، وسارا بقية يومهما وليلتهما،
فوجدا نصبًا وألمًا لتعبهما، وتذكر الفتى مضي الحوت فأخبره بذلك (قَالَ ذَلِكَ مَا
كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) .
قال الله - جلَّ جلالُه -: فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65)
العلم الذي هو خاص الخاص من العلم، ولما سأله
الصحبة وأعلمه بسبب رحلته إليه قال له: يا موسى أنت على علم علمكه الله لا
أعلمه أنا، وأنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، فأنت لا تستطيع معي صبرًا
أي: أنك جعلت لإنكار ما قد جعل عندك أنه منكر وأمر بمعروف جعل عندك أنه
المعروف، وفي فحوى هذا الخطاب، وسترى في صحبتي من ذلك ما تنكره، فكيف
تصبر على هذين وأنت لم تتصور حقيقة علمي، فتقدم عزيمة الصبر على حقيقة
ذلك.