قال - عليه الرحمة:
{وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (53) }
إذا صارت الأوهامُ منقطعة، والمعارفُ َ ضروريةً، والنارُ مُعَاينَةً استيقنوا أنهم واقعون في النار، فلا يُسْمَعُ لهم عُذْرٌ، ولا تنفع له حيلةٌ، ولا تُقْبَلُ فيهم شفاعة، ولا يؤخذ منهم فداء ولا عدل .. لقد استمكنت الخيبةُ، وغَلَبَ اليأسُ، وحَصَلَ القنوط، وهذا هو العذاب الأكبر.
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54) }
أوضح للكافة الحججَ، ولكن لَبَّسَ على قوم النهج فوقعوا في العِوَج.
{وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شيءٍ جَدَلاً} الجَدَلُ في الله محمود مع أعدائه، والجدل مع الله شِرْكٌ لأنه صَرْفٌ إلى مخالفةٍ تُوهِمُ أن أحداً يعارض التقدير، وتجويزُ ذلك انسلاخ عن الدِّين. ومن أمارات السعادة للمؤمن فَتْحُ بابِ العملِ عليه، وإِغلاقُ بابِ الجدل دونه.
{وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (55) }
لا عُذرَ لهم إذا لجأوا إلى ما تعاطوه من العصيان وترْكِ المبادرة إلى المأمور، ولا توفيقَ يساعدهم فيخرجهم عن حوار الداعي إلى عزم الفعل، فَهُمْ - وإن لم يكونوا بنعت الاستطاعة على ما ليسوا يفعلونه - ليسوا عاجزين عن ذلك؛ ولكنهم بحيث لو أن العبدَ منهم أراد ما أُمِرَ به لَتَأَبَّى منه ذلك، وتعذَّر عليه؛ ففي الحال ليس بقادرٍ على ما ليس يفعله ولا هو عاجزٌ عنه، وهذا يسميه القوم حال التخلية وهي واسطة بين القدرة والعجز. انتهى انتهى. {لطائف الإشارات حـ 2 صـ 403 - 404}