(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
إخواني الدُّنْيَا دَار الْآفَات، الْإِثْم بقى والالتذاذ فَاتَ، بَينا نرى فِيهَا الْغُصْن خضرًا متمايلا أصبح ذابلا ذابلي
(يَا أيهذا الَّذِي قد غره الأمل ... وَدون مَا يأمل التنغيص وَالْأَجَل)
(أَلا ترى إِنَّمَا الدُّنْيَا وَزينتهَا ... كمنزل الركب حلوا ثمت ارتحلوا)
(حتوفها رصد وعيشها نكد ... وصفوها كدر وملكها دوَل)
(تظل تفزع بالروعات ساكنها ... فَمَا يسوغ لَهُ عَيْش وَلَا جذل)
(كَأَنَّهُ للمنايا والردى غَرَض ... تظل فِيهِ سِهَام الدَّهْر تنتضل)
(وَالنَّفس هاربة وَالْمَوْت يتبعهَا ... وكل عَثْرَة رجل عِنْدهَا جلل)
(والمرء يسْعَى بِمَا يسْعَى لوَارِثه ... والقبر وَارِث مَا يسْعَى لَهُ الرجل)
إخواني البسوا للدنيا جنَّة الهجر واسمعوا فِيهَا من مواعظ لزجر واحسبوها يَوْمًا صمتموه لِلْأجرِ وَصَابِرُوا ليل البلى فَمَا أسْرع إتْيَان الْفجْر فَلَا تَبِيعُوا الْيَقِين بِالظَّنِّ فَحَرَام بيع المجر
لقد أَبْصرت عُيُون الفطن فِي نَهَار المشيب سبل الرحيل وَسمعت آذان الْفِكر بقعقعة الصلب الصلب أَذَان التخويل
لله در أَقوام بَادرُوا أيامهم وحاذروا آثامهم جعلُوا الصَّوْم طعامهم والصمت كَلَامهم، فالأبدان بَين أهل الدُّنْيَا تسْعَى والقلوب فِي رياض الملكوت ترعى قَامُوا لخوف الْقِيَامَة بالأوامر ووقفوا أنفسهم على الْخَيْر مَا توقفوا كالموامر هجروا بالصيام لذيذ الْهوى فِي الهواجر وَصمت اللِّسَان كَأَنَّهُ مَقْطُوع فِي الْحَنَاجِر بالخناجر وَجرى الدمع واصبا حَتَّى قد محا المحاجر مَتى تطرق طريقهم قبل طروق الطوارق
هَذَا ذِئْب السقام قد عوى للعوائق يَا من أَعماله فِيمَا خلا لِلْخَلَائِقِ كم داواك الطَّبِيب وَكم رقا بالرقايق أَيْن من رَبًّا فِي الربى ونما بَين النمارق أبرزهم حادي الْمَوْت لما حدا من الحدايق وأمال مستقيمهم فالتوى فَهَل من هَذَا التوى أَنْت واثق وَيحك إِن الدُّنْيَا سراب مخلف فَإِن وجد شراب اعطش أزدهت فدهت على أَنَّهَا تذم وتضم كم عقدت لمحبها عقد عهد فَلَمَّا حلت عِنْده حلت إِنَّهَا لعجوز وَهِي فِي عَيْنك كَالْقَمَرِ وَقد قمر هَواهَا قَلْبك فَمَا أبقى مِنْهُ إِلَّا قلب قمر
للشريف الرضي
(شرت الْفُؤَاد رخيصة أعلاقه ... وَمضى يعَض بنانه المغبون)
أفنيت عمرك فِي طلبَهَا وَمَا حصل بِيَدِك مِنْهَا إِلَّا مَا حصل بيد قيس من ليلى