قال - عليه الرحمة:
{وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ}
أرسل الرسل - عليهم السلام - تترى، وأَيَّدَهم بالحجج والبراهين، وأمرهم بالإنذار والتخويف، والتشريف في عين التكليف، وتضمين ذلك بالتحقيق، ولكن سَعِدَ قومٌ باتباعهم، وشَقِيَ آخرون بخلافهم.
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ}
لا أحدَ أظلمُ مِمَّنْ ذُكرِّ ووُعِظَ بما لوَّح له من الآيات، وبما شاهده وعرفه من أمرٍ أُصْلِحَ أو شُغِل كُفِيَ أو دعاءٍ أُجِيب له، أو سوءِ أدبٍ حصل منه، فأُدِّبَ بما يكون تنبيهاً له، أو حصلت منه طاعة وكوفئ في العاجل إمَّا بمعنى وَجَدَه في قلبه من بَسْطٍ أو حلاوةٍ أو أُنْسِ، وإما بكفاية شُغْلٍ أو إصلاح أمرٍ ... ثم إذا استقبله أمرٌ نَسِيَ ما عُومل به، أو أعرض عن تَذَكُّرِه، ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يداه من خيره وشرِّه، فوجدَ في الوقت موجبه ... ومَنْ كانت هذه صِفَتُه جعل على قلبه ستراً وغفلة وقسوة حتى تنقطع عنه بركاتُ ما وُهِبهَ.
ويقال مَنْ أظلم من يستقبله أمرٌ مجازاةً لما أسلفه من تَرْكِ أَرَبِه فَيَتَّهِمُ رَبَّه، ويشكو مِما يلاقيه، وَيْنسَى حُرْمة الذي بسببه أصابه ما أصابه؟ وكما قيل:
وعاجزُ الرأيِ مِضياعٌ لِفُرصته ... حتى إذا فاتَ أمرٌ عَاتَبَ القَدَرَا
{وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ}
{الغَفُورُ} لأنه ذو الرحمة، ورحمته الأزلية أوجَبَتْ المغفرة لهم.
ويقال {الغَفُورُ} : للعاصين من عباده، و {ذُو الرَّحْمَةِ} بجميعهم فَيُصلح أحوالَ كافتهم.