قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ ... (32) }
ابن عرفة: قالوا القاعدة في مثل هذا أن يقال: واذكر لهم قصة رجلين؛ لأن هذا من باب الإخبار عن الواقع، وأجيب بأن ضرب المثل فيه بالفعل والانفعال والأثر؛ لأن الضرب أمر حسن، فكان هذا المذكور ينفي أثرا من التذكر والموعظة بمن جرى له ذلك.
قيل لابن عرفة: أو يكون قياسا تمثيليا.
قال بعض الطلبة: قدم في الآية السبب على مسببه؛ لأن المناسب في خروج الثمرة، فهلا قيل (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا) وفي خلالهما ثمرا (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا) .
قيل لابن عرفة: وقوله (وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا) مستغنى عنه؛ لأنه مجرد تأكيد؛ لأن معنى الإضافة في قوله (آتَتْ أُكُلَهَا) تقتضي بها؛ كقوله تعالى: (أَمْ عَلَى قُلُوب أَقفَالُهَا) (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا) .
قيل لابن عرفة: (وَجَعَلْنَا) بمعنى صيرنا أو بمعنى خلقنا؛ فإن كانت بمعنى خلقنا فيكون هو أنشأهما واخترعهما، وإن كانت بمعنى صيرنا فيحتمل أن يكون أنشأهما غيره واشتراهما هو منه، والآية دالة على أن العنب أفضل الفواكه؛ لأنه بدأ به وكان أكثر غرس الجنتين.
قوله تعالى: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ ... (35) }
إنما أفردها تنبيها على أنه استشعر ذلك عند دخوله إحداهما فأحرى إذا دخلهما، أو لأن الدخول لَا يقع إليهما في حالة واحدة بل إنما يدخل إحداهما أولا ثم يدخل الأخرى بعد ذلك.
قوله تعالى: (مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا) .
إن أراد الأرض والسماوات فيؤخذ منه أنه كان يقول بقدم العالم. قاله ابن عطية:
قال ابن عرفة: لأن بما ثبت قدمه يستحال عدمه؛ فعكسها ابن عطية، فقال: ما استحال عدمه ثبت قدمه هذه أصول العالم وهي السماوات والأرض، وأما الجزئيات كالأشجار والثمار فمعلوم أنها تفنى ويخلفها غيرها.
قوله تعالى: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ... (37) }
كفره إما بإنكاره المعاد؛ لقوله (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً) ، أو شكه فيه لقوله (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي) .