ابن عرفة: وتقدمنا فيها إشكال وهو ما الموجب لتكفيره إياه؛ مع أن المعاد عند أهل السنة إنما هو ثابت بالسمع لَا بالعقل، والعقل اقتضى إمكانه وتجويز وقوعه؛ لأن وجوب وقوعه، والمعتزلة يقولون: إنه واجب الوقوع عقلا بناء على قاعدة التحسين والتقبيح عندهم، فإما أن يجاب بأنهم لعلهم كان غيرهم سمع واقتضى وجوب المعاد وإنكاره كفرا، وفهم عنه أنه مشرك بالله حسبما أقر به على نفسه في آخر الآية، في قوله (وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا(42) .. قيل لابن عرفة: فكيف يكفره بإنكاره ما ثبت بالسمع ثم يستدل بما فيه بالعقل.
قوله تعالى: (مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) .
استدل له بأصل بعد منفصل وهو التراب، وأصل بعد متصل وهو النطفة؛ أي خلق أباك من تراب ثم من نطفة.
قوله تعالى: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ) .
أفردهما؛ وهما جنتان تحقيرا لهما.
قوله تعالى: (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ) .
ابن عرفة: وكان بعضهم يقول سببا للذم إن كان فعليا، فالعادة تكون الندم بتقليب الكف، وإن كان قوليا فيكون بالقرع على السن.
كما قال الشهرستاني في أول نهاية الإقدام:
لقد طفت في تلك المعاهد كلّها ... وسيّرت طرفي بين تلك العوالم
فلم أر إلّا واضعا كفّ حائر ... على ذقنه أو قارعا سنّ نادم
قوله تعالى: (وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) .
قال ابن مالك: حرف النداء إن دخل على ليت فإنه للتشبيه لَا للنداء؛ كقوله تعالى: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) ؛ لأنه لم يكن هنالك من تناديه.
قال ابن عرفة: بل هنالك ربها، أي يا رب ليتني مت قبل هذا.
قوله تعالى: {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... (43) }
قال الزمخشري: أي يقدرون على نصره من دون الله.