32 -قوله: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ} هذا المثل ضربه الله تعالى لمن يتعزز ويفتخر بالدنيا، ويستنكف عن مجالسة الفقراء، فهو على هذا متّصل بقوله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ} {وَاضْرِبْ} هنا بمعنى اجعل، يتعدى إلى مفعولين {لَهُمْ} متعلّق به {مَثَلًا} مفعول ثان، {رَجُلَيْنِ} مفعول أول، أي واجعل يا محمد رجلين موصوفين بالصفات الآتية، {مَثَلًا} وشبها لهؤلاء المشركين بالله الذين سألوك أن تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ، وللمؤمنين المكابدين لمشاق الفقر؛ أي: مثل حال هؤلاء الكافرين والمؤمنين بحال رجلين شريكين في بني إسرائيل، أحدهما كافر اسمه قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا، أو تمليخا، لهما ثمانية آلاف دينار، فاقتسماها فاشترى أحدهما أرضا بألف دينار، فقال صاحبه: اللهم إن فلانًا قد اشترى أرضا بألف دينار، وإني أشتري منك أرضًا في الجنة بألف دينار، فتصدق بها، ثم إن صاحبه بنى دارًا بألف دينار، فقال هذا: اللهمّ إن فلانًا بنى دارًا بألف دينار، وإنّي اشتريت منك دارًا في الجنة، بألف دينار، فتصدّق بها، ثم تزوّج صاحبه امرأة، وأنفق عليها ألف دينار، فقال هذا: اللهمّ إني أخطب إليك امرأةً من نساء الجنة بألف دينار، فتصدّق بها، ثمّ إن صاحبه اشترى خدمًا، ومتاعًا بألف دينار، فقال هذا: اللهم إني أشتري منك خدمًا ومتاعًا في الجنة بألف دينار، فتصدق بها، ثم أصابته حاجة شديدة، فقال: لو أتيت صاحبي لعله ينالني منه معروف، فجلس على طريق، حتى مر به في حشمه، فقام إليه، فنظر إليه صاحبه، فعرفه فقال له: فلان؟ قال: نعم، فقال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجة بعدك، فأتيتك لتعينني بخير، قال: فما فعلت بمالك؟ فقص عليه قصته، فقال: وإنك لمن المصّدقين، فطرده ووبخه على التصدق بماله، وآل أمرهما إلى ما حكاه الله تعالى فنزل في شأنهما قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ} ؛ أي: واضرب أيها الرسول لهؤلاء المشركين المتقلبين في نعم الله، والمؤمنين المكابدين لمشاق الفقر، مثلا رجلين؛ أي: اجعل مثل الفريقين مثل رجلين {جَعَلْنا لِأَحَدِهِما} ، وهو الكافر: {جَنَّتَيْنِ} ؛ أي: بستانين {مِنْ أَعْنابٍ} ؛ أي: من كروم متنوعة، فإطلاق