الأعناب عليها مجاز، ويجوز أن يكون بتقدير المضاف؛ أي: من أشجار أعناب، والأعناب جمع عنب، وهو ثمر الكرم {وَحَفَفْناهُما} ؛ أي: أحطنا البستانين {بِنَخْلٍ} ؛ أي: جعلنا النّخل محيطة بالجنتين ملفوفا بها، كرومهما {وَجَعَلْنا بَيْنَهُما} ؛ أي: وجعلنا وسط البستانين {زَرْعًا} ليكون كل منهما جامعًا للأقوات والفواكه، متواصل العمارة على الشكل الحسن، والترتيب الأنيق.
وخلاصة ذلك: أن أرضه جمعت القوت والفواكه، وهي متواصلة متشابكة، فلها منظرٌ ورواءٌ حسنٌ ووضعٌ أنيقٌ يخلب اللب بجماله وبهجته إذا امتلأ منه البصر.
روي: أن أخوين من بني إسرائيل ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار، فتشاطراها، فاشترى الكافر بنصيبه ضياعًا وعقارًا، وأنفق المؤمن ما ورثه في وجوه الخير وطاعة الله، وآل أمرهما إلى ما قصه الله علينا في كتابه، وسواء أصحت الرواية أم لم تصحّ، فإن ضرب المثل لا يتوقف على صحتها.
33 -وقد ضرب الله المثل ليبين حال الفريقين المؤمنين والكافرين، من قبل أن الكفار مع تقلبهم في النعيم قد عصوا ربهم، وأن المؤمنين مع مكابدتهم للشدائد والبأساء قد أطاعوه {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ} ؛ أي: كل من البستانين {آتَتْ أُكُلَها} ؛ أي: أعطت وأخرجت ثمرها كل عام، وبلغ مبلغًا صالحًا للأكل وإفراد الضمير في {آتَتْ} للحمل على لفظ المفرد، قال الحريري: ولا يثنى خبر كلا إلا بالحمل على المعنى {وَلَمْ تَظْلِمْ} ؛ أي: ولم تنقص {مِنْهُ} ؛ أي: من أكلها وثمرها {شَيْئًا} في سائر الأعوام على خلاف ما يعهد في الكروم والأشجار من أنها تكثر غلتها أعوامًا، وتقل أعوامًا أخرى، فقوله: {وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} ؛ أي: في بعض السنين بل في كل سنة يأتي ثمرها وافيًا.